الشفاعة في الكتاب والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨
ثم أتى بكلام في حد الشفاعة وأنّها للمطيعين لا للعاصين ، وسنوافيك عن ذلك في فصل خاص[١] .
٧ ـ القاضي عياض بن موسى (ت ٥٤٤ هـ) قال: مذهب أهل السنّة هو جواز الشفاعة عقلا ووجودها سمعاً بصريح الآيات وبخبر الصادق ، وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحّة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين ، وأجمع السلف الصالح ومن بعدهم من أهل السنّة عليها[٢] .
٨ ـ الإمام ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنير الاسكندري المالكي قال في كتابه
«الانتصاف فيما تضمّنه الكشاف من الاعتزال»: وأمّا من جحد الشفاعة فهو جدير أن لا ينالها ، وأمّا من آمن بها وصدّقها وهم أهل السنّة والجماعة فأُولئك يرجون رحمةَ الله ، ومعتقدهم أنّها تنال العصاة من المؤمنين وإنما ادّخرت لهم ، وليس في الآية دليل لمنكريها; لأنّ قوله ( يوماً ) في قوله : [٣](وَاتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ) أخرجه منكراً . ولا شك أنّ في القيامة مواطن ، يومها معدود بخمسين ألف سنة . فبعض أوقاتها ليس زماناً للشفاعة وبعضها هو الوقت الموعود ، وفيه المقام المحمود لسيّد البشر ، عليه أفضل الصلاة والسلام .
وقد وردت آيات كثيرة ترشد إلى تعدّد أيامها واختلاف أوقاتها ، منها قوله تعالى: (فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ)[٤] ، مع قوله: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض يَتَسَاءَلُونَ)[٥] ، فيتعيّن حمل الآيتين على يومين مختلفين
[١] الكشاف ١: ٣١٤ ـ ٣١٥ .
[٢] صحيح مسلم بشرح النووي ٣: ٣٥ ، طـ دار إحياء التراث العربي .
[٣] البقرة : ٤٨ .
[٤] المؤمنون : ١٠١ .
[٥] الصافات : ٢٧ .