دَفْعُ الشُبَه عن الرسول(ص) والرسالة - الحصني الدمشقي - الصفحة ٦٢ - مجموعة من تأويلات ابن عباس
وقوله تعالى: (ثمّ جعلناه) أي الانسان (نطفةً في قرار مكين) أي حرز منيع، وهو الرحم (ثم خلقناه علقةً) أي دماً (فخلقنا العلقة مضغةً) أي قدر ما يُمضغ (فخلقنا المضغة عظاماً) وبين كل خلقتين أربعون يوماً (فكسونا العظام لحماً ثمَّ أنشأناه خلقاً آخر) وهو نفخ الروح فيه.
قاله ابن عبّاس ومجاهد والشعبي وغيرهم.
وقيل: نبات الاسنان والشعر، قاله قتادة.
وقيل: ذكراً أو أنثى، قاله الحسن، وقيل غير ذلك.
(فتبارك الله أحسن الخالقينَ) أي المصوّرين والمقدّرين.
تنزّه سبحانه وتعالى بعد ذكر هذه الاطوار. المعنى: أنّ مَن هذه مِن بعض مقدوراته، يستحقّ التعظيم والتنزيه ; لانّ هذه التارات والتنقّلات إنشاء بعد إنشاء، في غاية الدلالة على كمال القدرة ووصف الالوهية، ثمّ الانشاء الاخر أن شقّ الشقوق وخرق الخروق، وأخرج العصب وجعل العروق كالانهار الجارية، وركّبها على منوال غريب، مع كونه خلقاً سويّاً، فأظهر يد القدرة والايات الظاهرة، وكمال الصنع والحكمة الباهرة، وأودع فيه الروح والحركة والسكون والادراك والتمييز، ولغات الكلام والعلم والمعرفة والفهم والفطنة والفراسة، وغير ذلك مّما يليق بهذا النوع الانساني الحيواني الى غير ذلك مّما يطول عدّه، ويعسر تقديره وحدّه (فتبارك الله أحسنُ الخالقين) .
ولو قيل لك: أخبرني عن قدر عروقك رقّة وثخانة وطولاً وقصراً، أو عن حقيقة بعض ما في باطنك من أي نوع كان، لعجزت عن بيان ذلك ولخرست، وأنت وجميع هذا النوع الانساني نُتفة تراب جعله بشراً منتشراً.
فتعالى الله وتبارك أن يخوض في ذاته وصفاته إلاّ من عَدِم الرشاد، وسلك سبيل الفساد والعناد، وصيّر نفسه أخسّ العباد.