تخريج الدلالات السمعية - الخزاعي، علي بن محمد - الصفحة ١١ - ٢- كتاب تخريج الدلالات السمعية
يعقد فصلا تاليا للترجمة لمن تولوا تلك الخطة معتمدا في ذلك كتاب الاستيعاب لابن عبد البر في الأغلب، و كثيرا ما يؤيد تراجم الاستيعاب بالإحالة على سيرة ابن هشام، ثم إنه يبين ما يحتاجه القارئ من فوائد لغوية، و مراجعه في هذه الناحية كثيرة في طليعتها الصحاح للجوهري و المحكم لابن سيده و ديوان الأدب للفارابي و كتب الأفعال و المخصص لابن سيده ... الخ تلك المصادر؛ فإذا كان الأمر يتعلق بشرح ألفاظ الأحاديث أحال على المشارق للقاضي عياض و على غيره مما يتصل بهذا الباب، و أحيانا يورد فقرة بعنوان «تنبيه» تحتوي فائدة خارجة عن نطاق اللغة، أو تكون بمثابة إحالة إلى ما مرّ أو ما سيأتي بيانه. و بهذا التخطيط الدقيق للكتاب لم يبق المؤلّف مجالا للمحقق، إلا مجالا ضيقا، في الشرح و التوضيح، و لكنه يكلف المحقق جهدا بالغا في تتبع المصادر المعتمدة، و المقارنة و التأكد من مدى الصحة في المنقولات. و ربما أخذ على المؤلف إسرافه في تتبع المعاجم اللغوية، فهو يعتمد عددا من المعجمات في تفسير مادة واحدة، مع أن واحدا منها كان يغني عن سائرها؛ و لشغفه بالإكثار من المراجع تراه يقطع النقل عن هذا المصدر و يبدأ النقل عن مصدر آخر، و لو استمرّ في نقله عن الأوّل لجاء بشرح واف بالمراد. و أنت تعجب أحيانا لما ذا يعتمد «ديوان الأدب» في شرح «كفر» بمعنى غطّى و لا يعتمد المحكم أو الصحاح، و يجعل اعتماده على واحد منها مطردا إلى أن يستكشف زيادة مهمة في معجم آخر. على أن هذا بعد كل ذلك إنما يعدّ عيبا لا ضرر فيه، و إن كان مرهقا للمحقق.
و قد أفاد المؤلف كثيرا من خبرته في توليه ديوان العساكر مدة طويلة، و لذلك جاء الجزء الخامس و هو في العمالات الجهادية من أكبر الأجزاء إذ احتوى من الأبواب على خمسة و أربعين جمعت جميع الجوانب المتصلة بمهمات الحرب. و تعدّ الأجزاء:
الرابع في العمالات الأحكامية، و السادس في العمالات الجبائية من أهم الأبواب مع الخامس في تبيان «تركيب» الدولة في عهد الرسول و الخلفاء الراشدين. أما الباب الخاص بالحرف و الصناعات (و هو التاسع) فإنه مكمّل لتصور المجتمع الإسلامي بالإضافة إلى تصوّر بناء الدولة، و لكنه خارج عن غرض المؤلف في إزالة البدعة التي تلصق بأصحاب الخطط السلطانية، فلا أحد يقول إن بيع الطعام أو القيام بالنسج أو البناء أو الصيد أو الطبخ بدعة، و هذه الحرف لم تبدأ على عهد الرسول، و إنما هي حصيلة الحاجة و الاجتماع الإنسانيين، نعم كان يمكن القول بأن بعض الحرف