منطق المشرقيين - ابن سينا - الصفحة ٦ - في ذكر العلوم
المطلوب من المجهول و لا يكون كذلك فهذا هو أحد قسمي العلوم.
و أما القسم الآخر فهو ينقسم أيضا أول ما ينقسم قسمين لأنه إما أن تكون الغاية في العلم تزكية النفس مما يحصل لها من صورة المعلوم فقط و إما أن تكون الغاية ليس ذاك فقط بل و أن يعمل الشيء الذي انتقشت صورته في النفس.
فيكون الأول تتعاطى به الموجودات لا من حيث هي أفعالنا و أحوالنا لنعرف أصوب وجوه وقوعها منا و صدورها عنا و وجودها فينا و الثاني يلتفت فيه لفت موجودات هي أفعالنا و أحوالنا لنعرف أصوب وجوه وقوعها منا و صدورها عنا و وجودها فينا.
و المشهود من أهل الزمان أنهم يسمون الأول علما نظريا لأن غايته القصوى نظر و يسمون الثاني منهما عمليا لأن غايته عمل.
و أقسام العلم النظري أربعة و ذلك لأن الأمور إما مخالطة للمادة المعينة حدا و قواما فلا يصلح وجودها في الطبع في كل مادة و لا يعقل إلا في مادة معينة مثل الإنسانية و العظمية و إن كانت بحيث لا يمتنع الذهن في أول نظرة عن أن يحلها كل مادة فيكون على سبيل من غلط الذهن بل يحتاج الذهن ضرورة في الصواب أن ينصرف عن هذا التجويز و يعلم أن ذلك المعنى لا يحل مادة إلا إذا حصل معنى زائد يهيؤها له و هذا كالسواد و البياض فهذا من قبيل الموجودات و الأمور.
و إما أمور مخالطة أيضا كذلك و الذهن و إن كان يحوج في صحة تصور كثير منها إلى إلصاقه بما هو مادة أو جار مجرى المادة فليس يمتنع عنده و عند الوجود أن لا يتعين له مادة و كل مادة تصلح لأن تخالطه ما لم يمنع مانع و ليس يحتاج في الصلوح له إلى ممهد يخصصه به مثل الثلاثية و الثنائية من حيث هي متكونة و تعرض الجمع و التفريق و مثل التدوير و التربيع و جميع ما لا يفتقر وجوده و لا تصوره إلى تغير مادة له و هذا قبيل ثان من الأمور و الموجودات.
و إما أمور مباينة للمادة و الحركة أصلا فلا تصلح لأن تخلط بالمادة و لا في التصور العقلي الحق مثل الخالق الأول تعالى و مثل ضروب من الملائكة و هذا