قبس في تفسير القرآن - الخوئي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٥ - التفسير
الأبدية الخالدة، وإلا يكون خاسرا للدارين و { ذلك هو الخسران المبين } [١].
على أنه يكفي في المصلحة أن يكونوا نكالا وعبر لغيرهم كما هو الحال في
موارد ثبوت القصاص والحد، فطن الجاني يقتل من دون أن يكون ذلك ملازما
لغفران ذنبه دائما، بل قد يكون كذلك كما لو تاب عن ذنبه توبة نصوحا وتفضل
اللّه عليه بقبولها، وقد لا يكون، فيكون من الذين خسروا الدنيا والآخرة.
بقي علينا أن نعرف أن التعبير عن الذات المقدسة بالبارئ في الآية الكريمة
إنما هو محاولة بيانية رائعة لا قناع المدنبين بكون القتل خيرا لهم، فإن
التفات المأمور إلى كون الأمر صادرا من الذي برأه وخلقه وأحب وجوده وفرض
على نفسه العدل وحب الخير للمخلوق الضعيف، مما يقنعه بكون الفعل مصلحة له
ومن ثمّ يسهل عليه الامتثال، فإن المأمور اذا أحس بكون المأمور به في
مصلحته ولو من جهة صدوره ممن لا يتصور في حقه قصد الإضرار به، سهل عليه
الاتيان به مهما كان شاقا وصعبا بحسب الظاهر.
ثم إن المأمورين بالقتل خصوص الذين اتخذوا العجل الها، وإنما نسب الخطاب إلى قوم موسى على نحو الإطلاق { و إذ قال موسى لقومه يا قوم إنّكم ظلمتم أنفسكم } ، لكونهم أمة واحدة يجمعها انتماء واحد، ونظائر هذا الاستعمال في الاستعمالات العرفية كثيرة.
و مما يشهد لما ذكرناه في الاختصاص قوله تعالى: { انّكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل } فإنه خير شاهد على اختصاص الظلم بالذين اتخذوا العجل الها.
{ ذلكم خير لكم عند بارئكم } و أي خير هو أعظم من تفضله تبارك وتعالى على عبده بقبول توبته ومحو ذنبه الموجب لخلاصه من العذاب الأليم.
{ فتاب عليكم } بعد امتثالكم للأمر ولو بالتصدي له حقيقة بالقياس إلى
[١]الزمر، الآية: ١٥