المحصل - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٩ - دراسة مقارنة بين شراح المحصل و موقف فخر الدين الرازى من علم الكلام
أصبحت شخصية الغزالى العالم و المفكر مثلا حيا لمن أتى بعده، لكن ذلك تطلب ممن نهج منهجه و اقتفى أثره عملا كبيرا و جهدا شاقا. أما العلوم الأربعة الرئيسية التى برز فيها الغزالى هى: ١- الفقه و أصوله. ٢- علم الكلام.
٣- الفلسفة. ٤- التصوف. لقد ضلع فى هذه الجوانب الأربعة و أصبح له فيها دور التوجيه لقد كان عالما و إماما فى تلك العلوم جميعا، و لا شك ان ذلك يرجع الى تميزه بذكاء حاد و شغف بالعلوم على اختلاف أنواعها و لهذا من الصعب ان نجد قبله عالما يحمل نفس ثقافته الواسعة تلك.
٢- ان ثقافة الغزالى لم تقف عند حد معرفته للعلوم الاسلامية فحسب، بل تعدتها الى حد الالمام و الاحاطة بالثقافة التى تعارض الاسلام عالما بما لدى خصومه فى نفس الوقت من أدلة و حجج. و اعتمادا على ذلك كان يسوق آراءه المستندة على أساس راسخ متين. فمثلا عند ما يقوم التصوف من الناحية التشريعية يستند فى ذلك على ما لديه من ثقافة فى الفقه و أصوله و لذلك عند ما يقال ان الغزالى يتحدث فى الفقه كذا أو فى التصوف كذا لا ينظر الى رأيه كأى رأى من الآراء بل ينظر الى أنه أهل لرأيه و صاحب كلمة صحيحة فيما يقول. و كذلك الأمر فيما يتعلق بالعلوم الأخرى التى ضلع فيها مثل علم الكلام و الفلسفة. و هكذا جذب الغزالى بثقافته الواسعة انظار غيره من العلماء فأثار فيهم روح التوسع فى العلوم حيث نشأ من بعده نهج التوسع فى الأبحاث و العلوم، لكن ذلك أصبح حائلا أمام التعمق فيها، لقد حاول العلماء من بعده التشبه به فى ثقافته الواسعة تاركين التخصص فى المواضيع مما أدى الى ضياع العلم و الفلسفة.
٣- لم يكن الغزالى ضد الفلسفة فحسب بل عارض علم الكلام أيضا، و لذلك كان له تأثير ملحوظ فى هذين الموضوعين الذين يعتبران مجال تفكير أكثر من العلوم الأخرى و لكون الغزالى يتمتع بمكانة علمية و دينية لدى جمهور المسلمين فان عداوته لعلم الكلام و الفلسفة انتشرت لدى الأوساط المختلفة، و من ثم ازداد خصومهما من مختلف الطبقات. و لا تزال هذه الفكرة منتشرة فى الأوساط الدينية حتى يومنا هذا. ان هذا الموقف السلبى من الغزالى قد أعاق نمو التفكير و مشروعية الحرية التى تحتاج إليها بالضرورة التنمية الفكرية.