المحصل - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٣ - دراسة مقارنة بين المحصل و شروحه
للماهية تقدم على الوجود معناه أن الماهية لها ثبوت أو وجود بنوع ما من الوجود حتى يثبت لها السبقية و التقدمية على الوجود و حينئذ لا تحتاج الماهية الى الوجود مرة ثانية لأن الموجود لا يحتاج الى الوجود لأن يكون موجودا و هو تحصيل الحاصل على اصطلاح الفلاسفة و المتكلمين. و لذلك فالماهية ليس لها سبقية على الوجود على خلاف ما يقوله المستشرقون فى تسميتهم ابن سينا بالداعى الى نظرية تقدم الماهية أو صاحب نظرية تقدم الماهية (باللغة التركية الماهيتجى)Essentialist و بهذا يظهر انهم لم يعرفوا الفارابى و لا ابن سينا على ما هما عليه من النظرية الفلسفية و هما لا يقدمان الوجود على الماهية كذلك، لأنه على ذلك يكون الشيء الموجود أو الوجود نفسه اذا وجد دون ماهية فارغا عن المعنى و المفهوم و يكون الوجود نفسه قائما بالوجود نفسه و هذا ينجر الى وحدة الوجود فالفارابى و ابن سينا لا يقولان بهذا و لكن الفارابى و ابن سينا عند ما يقولان بغيرية الماهية للوجود و لا يطبقان هذه القاعدة على الموجودات كلها و انما يقولان الماهية غير الوجود فى الأشياء أو الموجودات الممكنة و هذا هو الشرط الأول.
و الثانى هو ان هذا التفريق بين الماهية و الوجود لا يوجد فى الأعيان و انما هو فى الذهن فقط. و بمعنى آخر عند ما يتصور الانسان الأشياء أو الموجودات الممكنة يستطيع أن يتصور ان لها ماهيات مفارقة لوجودها و ان وجودها غير ماهيتها فى الذهن و اما اذا وجدت الموجودات الممكنة فى الخارج فلا يوجد وجودها مفارقا لماهيتها و لا منفصلا و لا منفردا عنها و انما يوجدان معا متحدان دون أى تفريق و تمييز بينهما.
و اما فى واجب الوجود فانه لا يمكن تصور التفريق بين ماهيته و وجوده عند الفارابى و ابن سينا. و لذلك يقولان ليس لواجب الوجود ماهية و انما له الآنية و هى تأكيد الوجود أو له الوجود الخاص أو بتعبير آخر وجوده و ماهيته شيء واحد وجوده عين ماهيته و ماهيته عين وجوده الخاص به. و لا يقال عندهما ماهية الواجب الوجود. و اما عند المتكلمين فانهم يفرقون بين الماهية و الوجود فى الواجب الوجود و الممكن الوجود.