المحصل - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣١ - دراسة مقارنة بين المحصل و شروحه
و لهذا السبب فان الرازى رجح نظرية الامكان على الحدوث و النقطة الثانية هى تأمين و محافظة دوام الكائنات من ناحية، و من ناحية أخرى اثبات عدم استقلالية الكائنات و انقطاعها عن واجب الوجود و دوام احتياجها إليه ليس فى وجودها فقط بل فى استمرار وجودها كذلك، و هو من دون أن يحتاج الى أدلة منفصلة أخرى. فان نظرية الامكان متضمنة اياه لأن ماهية الامكان متساوية الطرفين الوجود و العدم فاذا رجح طرف الوجود و أصبح الامكان موجودا فان الوجود لا يطرد امكانيته و لا يخرج عن الامكان و امكانيته باقية بما أن الامكان موجود فى الممكن الوجود و هو محتاج الى واجب الوجود دوما و استمرارا مثل الكهرباء للقنديل. و القنديل (المصباح) محتاج الى الكهرباء لاضاءته فى أول وجوده و دوامه. و أما هذا فانه غير موجود أو مشعور به فى الحدوث. فان الحدوث مثل النواة اذا ألقيت فى الأرض و انفلقت و ظهر النبت لا تبقى النواة موجودة لأنه ما كان بالقوة أصبح بالفعل و لم يعد يسمى بالقوة. و لذلك هنا يكمن الفرق بين ما هو بالقوة و بين ما هو بالامكان. و الامكان أصبح ممكنا و امكانه معه و لا يفارقه و على هذا فان علة الحاجة الى المؤثر اذا كان هو الامكان قد تحصل على الشيئين بشيء واحد.
و اننا نرى من المتكلمين المعاصرين من رجح نظرية الحدوث على نظرية الامكان و فى ذلك يقول الشيخ العلامة شيخ الاسلام فى الدولة العثمانية (١٩١٩- ١٩٢٠) مصطفى صبرى (١٨٦٠- ١٩٥٤) فى كتابه موقف العقل و العلم و العالم من رب العالمين و عباده المرسلين:
«ثم ان كانت الشبهة تخالجك فى مسئلة المحوج هل هو امكان المحتاج أو حدوثه فلننظر لما ذا يحتاج المحتاج الى العلة.
فالممكن يشمل الموجود و المعدوم و هو ما دام معدوما لا يحتاج الى العلة و انما حاجته إليه ليكون موجودا و ليدوم له الوجود مدة دوامه فمنشأ الحاجة اذن اتصاف الممكن بالوجود ابتداء و بقاء الا أن الموجود القديم لما لم يحتج الى علة كما حققناه تعين الوجود الحادث للحاجة فاذا اختصرته قلت الحدوث أى الحدوث المقابل للقدم لا المقابل للبقاء لأن وجود الحادث حال بقائه وجود حادث كابتدائه فلا