مقتطفات من موسوعة حياة المحقق الكركي وآثاره - الحسّون، محمد - الصفحة ٣٦
الموقف الشجاع والبعيد النظر قد ترك أثره في الشاه إسماعيل ـ ولو لفترة محدودة ـ فالمتتبّع لتأريخه من بعد يلاحظ اعتدالا لم يكن يتمتّع به من قبل.
هكذا استطاع الكركي أن يدفع الشاه إسماعيل إلى الموقع الذي صمّم على العمل من خلاله، ولا مفرّ لنا من أن نتصوّر أنّ الشاه قد أطلق يده في العمل.
وعلى كلّ حال فقد باشر الكركيّ تطبيق أفكاره، اتّخذ من كاشان ـ معقل الشيعة العريق وبلد الإيمان ـ مقرّاً له[١]، ومنها صار يوجّه النشاط الديني في ايران، أمر بأن يُفرد في كلّ بلد وقرية إماماً يصلّي بالناس ويعلّمهم شرائع الدين[٢].
وواضح أنّ هذا يعني خطّة لنشر التعليم الشيعي شملت ايران كلّها، كان الكركيّ يشرف عليها بنفسه، متنقّلا من بلد إلى آخر. ومن الجدير بالذكر أنّه كان يقوم بنفسه بتدريس كبار رجال الدولة كالأمير جعفر النيشابوري وزير الشاه الذي ألّف له "الرسالة الجعفريّة".
ويقال: إنّه كان ينفق سبعين ألف دينار شرعي سنوياً على الطلبة[٣]، وهذا مبلغ هائل جدّاً في تلك الأيام، يدلّ على أنّ الكركي كان على درجة عالية من التمكّن والاستقلال في موارده الماليّة. كما يدلّ على اهتمامه البالغ بتخريج أكبر عدد من الفقهاء، وهو أمر مفهوم جدّاً بالقياس إلى ما عرفناه من ندرة الفقهاء الشيعة في ايران حتّى ذلك الحين.
وهكذا صار الكركي "نقطة الدائرة" و"معتقد حكّام الإسلام" و"مراجع العلماء" على حدّ تعبير المؤرّخ الايراني المعروف خوانر أمير المعاصر للمحقّق الكركيّ[٤].
[١]ـ تأريخ عالم آرا عباسي ١:١٥٤.
[٢]ـ روضات الجنات ٤:٣٦٢.
[٣]ـ روضات الجنّات ٤:٣٦٣، أعيان الشيعة ٨:٢٠٩.
[٤]ـ تأريخ عالم آرا عباسي ٤:٦٠٩ ـ ٦١٠، الهجرة العامليّة: ١٢٣ ـ ١٢٤.