مقتطفات من موسوعة حياة المحقق الكركي وآثاره - الحسّون، محمد - الصفحة ٢٣
العالميّة.
فالشعب الايراني آنذاك كانت تحكمه عادات قديمة وتقاليد بالية ورثها من الآباء يصعب تغييرها، فالطرق الصوفيّة منتشرة في مساحات واسعة في إيران، ويتمتّع رجالاتها باحترام كبير بين أتباع هذه المذاهب، ويحتلّون أيضاً مناصب عالية في إدارة البلاد. فهم الّذين أوصلوا الصفويين إلى دفّة الحكم بعد خوضهم معارك طاحنة ضدّ أعدائهم، فمن الطبيعي جدّاً أن يحترمهم الشاه إسماعيل ويسند إليهم المناصب الكبيرة في الدولة، فهم القادة في أيام الحرب والرؤساء في أيام السلم.
فقد واجه الكركيّ مشكلة كبيرة في التعامل معهم، فهو لا يعترف بهم وبطرقهم الصوفيّة، وهم لا يعترفون به، بل لا يعترفون برجال الدين الشيعة الايرانيين وبآرائهم، فكيف يعترفون بالكركيّ الرجل الغريب الّذي جاء من أقصى بلاد العرب، ولم يكن له في تأسيس الدولة الصفويّة أي دور يُذكر؟!
وواجه الكركيّ أيضاً مشاكل كبيرة من قبل طبقة اُخرى ذات نفوذ وسلطة آنذاك، وهم رجال الدين الّذين كانوا من أتباع مدرسة الخلفاء، وتشيّعوا خوفاً من سيف الشاه إسماعيل، وتقلّدوا المناصب الدينيّة الكبيرة في المدن الايرانية، فهم يعتبرون أنفسهم أحقّ بهذه المناصب من الكركيّ القادم من وراء الحدود.
وما أن استقرّ الكركي في إيران، وحاول تطبيق أحكام الشرع الحنيف، حتّى ثارت بوجهه طبقة اُخرى، تقلّ قوّتها عن الطبقتين السابقتين، إلاّ أنّ عددهم كبير لا يُستهان به، وهم طبقة المترفين وأصحاب الملاهي وأماكن القمار والمدمنين على شرب الخمور.
فكيف استطاع الكركيّ مواجهة كلّ هذه الطبقات الاجتماعيّة المتناقضة، وهو العربيّ الوحيد الّذي هاجر من مدينة النجف الأشرف آنذاك إلى بلاد هو غريب عن أهلها في كلّ شيء: في عاداتها وتقاليدها، في أفكارها، في طبائعها.