المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٧
قال ذو النسبين رضي الله عنه: وقد أخذ الآن هذه البلاد ابن الريق اللعين، وحان لها يوم شر كما كان أحد يظن أنه يحين، فتملكت شنترين والأشبونة لما خاف أهلهما من القتل ورأوا أن السر دونه؛ لكثرة من جاءهم في البر والبحر، وقعود المسلمين عن الحماية لهم والنصر؛ حتى ملك الكفار معاقلهم الممتنعة، وحصونهم المرتفعة. وأبو نصر الفتح المتقدم الذكر، لاقيت جماعة من أصحابه، وحدثوني عنه بتصانيفه وعجائبه. وكان رحمان الله وإياه، مخلوع العذار في دنياه؛ ولكن كلامه في تواليفه كالسحر الحلال، والماء الزلال. قتل بحاً في مسكنه بفندق لبيب من حضرة مراكش، صدر سنة تسع وعشرين وخمسمائة. أخبرني بذلك الوزير الكاتب العالم أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن عميرة، وأن الذي أشار بقلته أمير المسلمين وناصر الدين أبو الحسن علي بن يوسف بن تاشفين. وكان صاحب بطليوس أبو بكر بن عبد الله بن مسلمة؛ ذو الملك الأكبر، المنعوت بالسلطان المظفر؛ وبنوه ملوك الأعيان، وأعين ملوك الزمان. ولكبر قدرهم في الملوك، وكونهم فيهم كالواسطة في السلوك؛ نزلت عليهم ملوك بلاد الأندلس من المسلمين، وهو عام الزلاقة سنة تسع وسبعين. فقام ولده وولى عهده المتوكل على الله أبو محمد بن الملك المظفر، المخدوم بسعدة في إقامتهم بجميع ما يحتاجونه، ووجدوا عنده فوق ما يرجونه؛ وفي جملتهم أبو يعقوب يوسف بن تاشفين، المتسمى بأمير المسلمين، مع جماعة لا تحصى من الملثمين؛ لأنه وصل من مراكش مستدعي لقتال العدو المتحرك إلى البلاد، برغبة الملك المعتمد على الله أبي القاسم محمد بن عباد؛ لأنه جاز البحر إليه، فأنعم بالإجابة عليه، لما أراد الله من إخراجهم من لملك على يديه. ثم لما كانت المقاتلة قتل فيها من شجعان النصارى ثلاثون ألف فارس ومن الرجالة ما لا يحصى، وبعيد أن يستقصي؛ وفر أذفونش ليلاً وهو يدعو حرباً وويلا. وفي ذلك يقول أبو محمد عبد الجليل بن وهبون:
نضَا أدرعه واجتاب ليلاً ... يودّ لو أنَّه في الطّول عَامُ
ستسألك النّساء ولا رجالٌ ... فحدّث " ما وراءك يا عصام "
فلما قضيت غزاتهم، وعادت صقورهم وبزاتهم؛ طمع الملثمون في بلاد بني المظفر، فحولوهم من العيش الأخضر، إلى الموت الأحمر؛ وحاصروهم وصابروهم. ودخلوا المدينة بالسيف، وحكموا فيهم أيدي الحيف، ودخلوها عليهم قهرا وقسراً، وقتلوا الملكين الجليلين ولدى المتوكل صبراً، وقدموهما قبله لرغبته لهم في تقديمها بين يديه لينال أجرهما ويكونا في ميزانه. فقدما عليه، وجعلوهما منه بمرأى العين، وقام بعدهما كي يصلي ركعتين فطعنوه بالرماح؛ وقد اختلط كلامه في صلاته، حتى أتوا على نفسه ووفاته؛ وكذلك غلبوا على ملوك الأندلس الباقين، ودخلوا إشبيلية قهراً ذات الأنهار والبساتين؛ وأخرجوا المعتمد على الله من قصره، لى كلبه وأسره، وفي ذلك يقول في أبيات:
كَلْبي أما تَعرفُني مُسلما ... أبيت أن تُشفِق أو ترحماَ
وحملوه إلى أقصى العدوة إلى المدينة أغمات، فبقي فقيرا عديما أسيرا إلى أن مات. ثم سلط الله على الملثمين جماعة الموحدين، فأزالوا الملك من أيديهم، وتحكموا في أنفسهم وساحاتهم وناديهم، فصلبوا أمير المسلمين أبا محمد تاشفين بحصن العباد خارج مدينة وهران، وذلك ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان. ثم دخلوا مدينة مراكش سنة إحدى وأربعين وخمسمائة بالحسام المسلول، وتركوا القصور خاوية خالية كالطول؛ وحكموا في أعناق سلاطين الملثمين طباة السيوف وأسنة الرماح، وضربوا عنق ولي عهد أمير المسلمين إسحاق بن علي بن يوسف ابن تاشفين بحد الصفاح؛ وجرت أنهار الدم في سكك المدينة، وأزال الله جلت قدرته عنهم ملاءة السكينة. ولما غلبهم الموحدون ودخلوها، واستولوا على جميع الديار وتركوها؛ بيعت الحرة الجميلة بدجاجة، حتى تعلم أن ليس لهم بها من حاجة؛ وذلك بالمغرب يوم مشهود، علمه الغائبون والشهود.
وقد رثى ملوك بني المظفر الوزير العالم المستبحر في جميع الفنون، أبو محمد عبد المجيد بن عبد الله بن عبدون بقصيدته الفريدة المتضمنة للتواريخ والأنساب، والحكم والآداب، وهي مما يعتبر بها أولو الألباب:
الدَّهُر يفجَع بعد العين بالأثرِ ... فما البكاءُ على الأشباح والصّور