المطرب من أشعار أهل المغرب

المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٣٢

ولا يَصُدُّك يأسٌ ... عن نَيْلِ أشرِف خُطَّه
فمبدأُ النار سِقْطٌ ... وأولُ الخطِّ نُقطة
ولما بلغ سن الكهولة، وأدرك من أقطار الشبيبة مأموله؛ نام فرأى أنه مستيقظ يفكر فيما سلف من بطالته، ويتحسر على ما فرط من تجريه على معصية الله واستطالته؛ ويتذكر ما مضى من شبابه، ومن انقضى منى أحبابه؛ ودمعه يباري صوب المزن في انصبابه، ويحكيه في انسجامه وانسكابه؛ فانتبه وهو منتبه لرشاده، مقبل على التزود لمعاده، منشد ما تنزعج القلوب من إنشاده:
ألاَ سأجلْ دُموعيَ يا غَمامُ ... وطارِحْني بشَجْوك يا حَمَامُ
فقد وفّيتُها ستّين حَوْلاً ... ونادتْني ورائيَ هل أمام
وكنت ومِن لُباناتِي لُبَيْنَي ... هناك ومن مَراضِعِيَ المُدام
يطالعُنا الصّباحُ ببطن حُزْوى ... فيُنكرنا ويَعرفُنا الظلاَّم
وكان به البشَامُ مراحَ أُنسى ... فماذا بعدنا فَعل البَشَام
فيا شرْخَ الشباب ألاَ لِقَاءٌ ... يُبَلُّ به على بَرْحٍ أوَام ُ
ويا ظِلّ الشَّبابِ وكنتَ تَنْدَى ... على أفياءِ سَرْحَتِك السّلامُ
ومن شعراء جزيرة الأندلس وفحولها، البريء مطروق الأشعار ومنحولها، ذو الآداب والفنون:

أبو محمد عبد الجليل بن وهبون
دخل على السلطان أبي القاسم محمد بن عباد يوماً، وهو ينشد قول المتنبي:
إذا ظفرت منك العيونُ بنظرةٍ ... أثاب بها مُعْيي المطيِّ ورَازِمُهْ
وجعل يردده استحساناً له. فقال عبد الجليل بديهاً:
لئن جاد شعرُ ابن الحُسين فإنما ... تُجيد العطايا واللُّهي تفتح اللَّهَا
تَنَّبأ عُجباً بالقريض ولو دَرَى ... بأنّك تَرويه إذا لتألَّها
فأمر له بمائتي دينار، وهو مثل قديم.
قال أبو سعيد القصار في جعفر بن يحيى:
لابن يَحيى مآثٌر ... بلغتْ بي إلى السُّهَا
جادَ شِعْري بجُوده ... واللُّهي تَفتح اللَّها
اللهي، بالضم: العطايا؛ واحدها: لهوة ولهية. واصلها: القبضة من الطعام تلقى في الرحى لتطحن، فجعلت الدفعة من المال المعطى لهوة. وأما اللها، بالفتح فجمع لهاة: الحلق.
ولما جاز السلطان ابن عباد البحر المسمى بالمحيط إلى مدينة سبتة، قاصداً لأمير المسلمين، وناصر الدين أبي يعقوب يوسف بن تاشفين للاستنجاد به على الروم، وقد راموا الوثوب على الأندلس، بعد أخذ طليطلة، وهجموا على بلادها أقبح هجوم قال:
أحاط جودُك بالدُّنيا فليس له ... إلا المُحيطُ مثالٌ حين يُعتَبرُ
وما حسبتُ بأن الكلَّ يحمُله ... بعضٌ ولا كاملاً يَحويه مُختصَر
لم تَثْنِ عنك يداً أرجاءُ ضفَّته ... إلا ومَّدت يداً أرجاؤُه الأَخر
كأنّما البحرُ عينٌ أنت ناظرُها ... وكل شَطٍّ بأشخاص الوَرى شُفُر
تأتي البلادَ فتَنْدَى منك أوجهُها ... حتى يقول ثَراها هل هَمَي المطر
ما القَفْر إلا مكانٌ لا تَحُلُّ به ... وحيثُما سرْتَ سار البدوُ والحَضَر
الأرضُ داركُ فاسْلُك حيثُ شئتَ بها ... هو المُقام وإن قالوا هو السّفَر
وله قصيدة يمدح ابن عباد، ويذكر ثباته يوم الوقعة بين جيوش المسلمين والورم بالموضع المعروف بالزلاقة من عمل بطليوس، وكانت الزلاقة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة، قتل فيها من شجعان النصارى ثلاثون ألف فارس. ذكره النسابة أبو محمد الرشاطي في كتاب: " اقتباس النور " ومن الرجالة ما لا يحصى، وطعن فرس ابن عباد تحته، فكبا به، فسقط عنه. فقدم إليه بعض من ثبت من جنده معه فرساً، فركبه وأبلى بلاء حسناً وقاتل قتالا شديدا - منها:
ولم يَثْبت من الأشياعِ إلا ... شقيقُك وهو صارمُك الحُسَامُ
يَمانٍ في يدَيْ ماضٍ يَمَانٍ ... فلا نابِي الغِرَارِ ولا كَهَام
ولم يحمْلك طِرفْك بل فؤادٌ ... تعَّود أن يُخاض به الحِمَام