المطرب من أشعار أهل المغرب

المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٥

إذاً هَجرتْ كفِّى نوالاً تُفيضه ... على مُعنفيها أو عدوّاً تُقَارِعه
وقال:
أكْثَرْتَ هَجري غير أنّك ربّما ... عطفْتك أحيانا علّى أمورُ
فكأنّما زمنُ التَّهاجُر بيننا ... ليلٌ وساعاتُ الوصالِ بدُور
وقال:
حكَّمَه في مُهجتي حُسْنُه ... فظلَّ لا يَعدِلُ في حُكْمه
أفْدِيه ما ينفعكُّ لي ظالما ... يا رَبّ لا يُجْزَي على ظُلْمِه
وله في جارية تسمى بوداد، وقد سافر عنها إلى تفقد بعض البلاد:
اشرِب الكأسَ في وِدَادِ ودادِكْ ... وتأنَّس بذكرها في انفِراِدكْ
قَمرٌ غاب عن جُفونك مَرْآ ... هُ وسُكناهُ في سَواِد فُؤادك
وقال من أبيات في فتاة يوم وداعها، عند تفطر كبده وانصداعها:
ولمّا التقينا للودَاعِ غُدَيَّةً ... وقد خَفَقَت في ساحة القصب راياتُ
بكينَا دماً حتى كأنّ عُيونَنَا ... لجرى الدّموع الحُمر منها جراحاتُ
من هذا الباب قول الآخر:
بكيت دماً حتّى لقد قال قائلٌ ... أهذا الفتى من جفن عينيه يرعفُ
ومن شعره الحسن وغرضه المستحسن:
ورُبَّ ساقٍ مُهفهف غَنِجٍ ... قام ليَسقى فجاء بالعَجَبِ
أبْدى لنا من لطيف حِكمته ... في جامِد الماء ذائَب الذَّهب
قال ذو النسبين، رضي الله عنه: أكثر الشعراء من وصفها بذوب الجامد، ووصف كأسها بجامد الذائب، فمن ذلك:
لاَح وفاحت روائحُ النّدِ ... مُهْتصُر الخصر أهيف القدّ
وكم سقاني واللّيلُ معتكٌر ... في جامدِ الماء ذائبَ الْوَرْدِ
وقال الصنوبري:
أقولُ والكأسُ على فِيه قَد ... صَّوَبها كالكوب الصَّائِبِ
وجسمُها من ذهب جامدٍ ... وروحُها من ذهبٍ ذائب
ذَا كوكٌب يغُرب في كَوكبٍ ... ويْليِ من الطَّالِع لاَ الغَارِب
ومما يقارب هذا الباب ما يروى من قول كسرى: ليست أدري، هل التفاح خمر جامد أم الخمر تفاح ذائب؟ أخذه الخليع، فقال:
الرّاحُ تفّاحٌ جرى ذائِباً ... كذلك التُّفَّاح راٌح جَمدْ
فأشرب على جامده ذَوْبَه ... ولا تَدعْ لذَّةَ يوم لِغَد
وكل هذا من قول الشريف عبد الله بن المعتز العباسي:
وخمّارةٍ من بنات المجو ... سِ تَرى الدَّنَّ في بيتها شائلاَ
وزنَّا لها ذهباً جامدا ... فكالت لنا ذهبا سَائلا
وقال الأستاذ أبو الحسن علي بن عبد الغني الحصري:
أقول لَه وقد حيَّا بكأسٍ ... لَها مِنْ مِسْك ريَّاُه خِتامُ
أمن خَدَّيك تُعصر قال كَّلا ... متى عُصرت من الوَرِد المُدام
حدثني بهذا الشيخ الإتقان، وواحد أئمة الفرقان، الفقيه الأستاذ أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن، سبط الأستاذ المعزول، قال: حدثني الفقيه الأستاذ أبو داود سليمان بن يحيى، قال: سمعت الفقيه الأستاذ أبا الحسن الحصري يقول.
قال ذو النسين رضى الله عنه: وسمعت الوزير الفقيه المحدث الكاتب العدل أبا عبد الله محمد بن أبي القاسم بن عميرة، قال: سمعت الوزير الكاتب أبا نصر الفتح بن عبيد الله القيسي - هو ابن خاقان - يقول: أخبرني أبو بكر عيسى الداني، المعروف بابن اللبانة، أنه استدعاه المعتمد ليلة إلى مجلس قد كساه الروض وشيه، وامتثل الدهر فيه أمره ونهيه؛ فسقاه الساقي وحياه، وسفر له الأنس عن مونق محياه؛ فقام للمعتمد مادحا، وعلى دوحة تلك النعماء صادحا؛ فاستجاد قوله، وأفاض عليه طوله؛ وصدر وقد امتلأت يداه، وغمره جوده ونداه. فلما حل بمنزلة رسوله بقطيع وكأس من بلار، قد أترعا بصرف العقار، ومعهما:
جاءتك ليلاً في شِيَات نَهار ... من نُورها وغِلالَةِ البُلاَّرِ
كالمُشتري قد لفَّ من مِرِّيخه ... إذ لَفَّه في الماء جذوةَ نَار
لَطْفَ الجمودُ لذا وذا فتألفَا ... لم يلق ضِدٌّ ضِدَّه بِنفار
يتحيّر الرّاءُون في نَعْتيهما ... أصفاءُ ماءٍ أو صفاء دراري

السلطان المتوكل على الله