المطرب من أشعار أهل المغرب

المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ١١

كتبتُ وقَلبي ذُو اشتياقٍ ووحشةٍ ... ولو أنَّه يستطيعُ مَّر يُسلّمُ
جعلتُ سوادَ العين فيه مدادَه ... وأبيضَه طِرساً وأقبلت ألثُم
فخيّل لي أنِّي أقبّل موضعاً ... يُصافحه ذاك البنانُ المكرّم
قال ذو النسبين رضي الله عنه: وهذا عندي من قول أبي إسحاق الصابي:
لما وضَعت صحيفتي ... في بَطن كفّ رسوِلهَا
قبّلْتُها لَتَّمَّسها ... يُمناك عند وُصُولها
وتَودّ عَينيَ أنّها ... قُرنت ببعض فُصولها
حتى تَرى من وجهك ال ... ميمون غايةَ سُولِها

الملك الراضي بالله أبو خالد
يزيد ابن المعتمد على الله بن أبي القاسم عباد، وقد مرت عليه هوادج وقباب، فيها له أخدان وأحباب؛ وجهوا على وجه الهدية إلى بر العدوة، وقد كان يلم بهن في صباه إلمام قريش بدار الندوة؛ فقال ارتجالا، وأنشد سحراً حلالا:
مروا بنا أصُلاً من غير ميعادِ ... فأوقَدُوا نار شوقِي أيَّ إِيقَادِ
وأذكرونِيَ أياّماً لهَوتُ بِهم ... فيهَا ففازوا بإِيثَاري وإحْمادي
لا غَرو أن زَادَ في وجْدي مرورُهم ... فرؤيةُ الماء تُذكي غُلَّة الصادِي
صدى يصدي، فهو صاد وصيد، إذا عطش. ورجل صديان: عطشان. الغلة، واللواب، بفتح اللام؛ واللوح، بضم اللام؛ والجواد، بضم الجيم بلا همز: كل ذلك من أسماء العطش. وقد جمعناها في غير موضع.

الحاجب ذو الرياستين
أبو مروان عبد الملك بن رزين، ورث الملك كابراً عن كابر، من ملوك من أسلافه، أرباب أسرة ومنابر. وذو الرياستين زاد عليهم بأدب أبهى من الروض الريض، ومنظوم بديع من القريض. فمن شعره قوله يخاطب ذا الوزارتين أبا بكر محمد بن عمار، وكان ضيفاً عنده:
ضَماٌن على الأيّام أن أبلغَ المُنى ... إذا كنت في وُدِّي مُسِراًّ ومُعْلِناَ
فلو تسألُ الأياّمُ من هو مفردٌ ... بِوُدّ ابن عمَّارٍ لقُلتُ لها أنَا
فإن حالَت الأيامُ بيني وبينه ... فكيف يَطيبُ العيشُ أو يحسنُ المنى
فلم يجبه ابن عمار في يومه، لأنه كان يعاني قوله ويعلله، ويرويه ولا يرتجله. وأتى به في اليوم الثاني بأعذب الألفاظ وأرق المعاني، وهو:
هَصَرْتَ لي الآمالَ طيبةَ الجنَى ... وسوَّغْتَ لي الحوالَ مُقبلةَ الدُّنَا
وألبَسَتنِي النُّعمَى أغضَّ من النَّدى ... وأجْمَلَ من وشْى الرَّبيع وأحْسَنَا
وكم ليلةٍ أحظَيْتَنِي بحضورها ... فبتُّ سميراً للَّسناءِ وللسَّنا
أعَلِّلُ نَفسي بالمكارِم والعُلاَ ... وأُذْنِي وكَفِّى بالغِنَاءِ وبِالغِنَى
سأقْرِن بالتَّمويلِ ذكركَ كَّلما ... تعاوَرَتِ الأسماءُ غيركَ والكُنَى
لأوسَعتنَي قولاً وطولاً كلاهما ... يُطوِّق أعناقاً ويُخرس ألْسُنا
وشَرَّفتني من قطعةِ الرَّوض بالتَّي ... تَنَاثر فيها الطّبعُ ورداً وسُوسنا
تروقُ بجيدِ المُلك مُرصَّعا ... وتُزْهَى على عِطفَيه وشياً مُفَنَّنا
فدُم هكذاَ يا فارس الدَّست والوغى ... لتَطعن طوراً بالكلام وبالقَنا
قوله " للسناء وللسنا ". السناء، بالمد: المجد والشرف. والسنا، مقصور: الضوء، قال الله العظيم: (يَكَادُ سَنَا بَرقِه يَذْهَبُ بالأبْصَار) .
وقوله " وأذني وكفى بالغناء وبالغنى " الغناء، بالمد: الصوت. قاله اللغويون، فيما أنشدنيه اللغوي النحوي القاضي العدل أبو الحسن علي بن أحمد الأميي:
غِناءُ الصَّوت ممدودٌ ... بما يستجلبُ الطّربُ
وكلُّ غنى فمقصورٌ ... كذا نطقت به العربُ