المطرب من أشعار أهل المغرب

المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٤

ونسبه: محمد بن عباد بن محمد بن إسماعيل بن قريش بن عباد بن عمرو ابن أسلم بن عمرو بن عطاف بن نعيم. وعطاف ونعيم هما الداخلان بالأندلس:
مِن بني المنذرين وهو اِنتَساٌب ... زادَ في فخره بنو عّبادِ
فئةٌ لم تَلدِ سواها المَعَالي ... والمعالي قليلَةُ الأولاد
وهذا النسب يطرد اطراد الشآبيب، ويتسق اتساق الأنابيب، إلى مركز الدائرة من لخم، وإلى قنص بن معد من ابنه عجم. ولد رحمه الله بمدينة باجة، سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. وولي سنة إحدى وستين، وخلع سنة أربع وثمانين، وتوفي رحمه الله في شوال لإحدى عشرة ليلة خلت منه سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. وخلع عن ثمانمائة امرأة، أمهات أولاد، جواري متعة، وإماء تصرف. وملك من البلاد بين مدن وحصون مائتي مسور، وإحدى وثلاثين مسورا. وقد ذكرها الوزير أبو بكر محمد بن عيسى بن محمد اللخمي، الداني - يعرف بابن اللبانة - في كتاب نظم السلوك.
وأنشدونا للمعتمد، وقد ناوله بعض نسائه كأس بلور مترعا شرابا، ولمع البرق فارتاعت، فقال بديهة:
رِيعت من البرِق وفي كفِّها ... برقٌ من القهوة لمَّاعُ
يا ليت شعري وهي شَمسُ الضّحى ... كيف من الأنوارِ تَرْتَاعُ
وأمر الأديب المصيب أبا محمد عبد لجليل بن وهبون بإجازة البيت الأول، فقال:
ولن تَرى أعجب من أنسٍ ... من مثل ما يُمْسِكُ يَرْتَاعُ
وهذا من نوادر الخواطر، وليس ينكر على هذا الشاعر. فمن جودة شعره ترتيب اللفظ فيه مع جودة معانيه، أولها المطابقة بلفظتي الأنس والارتياع، وتشبيه لمعان البرق يلمعان الخمر.
وقال المعتمد في السلطان عباد أبيه، من قصيدة كبير يمدحه فيه:
سميدعٌ يهب الآلافَ، مبتدئا ... ويستقلُّ عطاياه ويعتذرُ
له يدٌ كلُّ جبّار يقبِّلها ... لولا نَدَاها لقلنا إنَّها الحجرُ
يريد الحجر الأسود الذي يجب تقبيله على جميع الطائفين بالمسجد الحرام، على ما ثبت عن رسول الله عليه أفضل الصلاة وأشرف السلام. والسميدع، بفتح السين في لغة العرب: السيد.
وفضل يده على الحجر بما خصت به من الندى، وكثرة الجدي، ففضل يد الممدوح على الحجر الأسود وهذا من باب غلو الشعراء وإيغالهم، فيما ينمقون من زخارف أقوالهم؛ فشتان بين يديه وبين الحجر الأسود في الممات والمحيا، لأنه يشهد يوم القيامة لمن استلمه في الدنيا، وينال بذلك عند الله جل جلاله المنزلة العليا.
وقال أيضاً في أبيه يسترضيه:
مولايَ أشكو إِليك داءً ... أصبح قلبي به قَريحَا
سُخطك قد زادني سَقَاما ... فأبعث إلىّ الرّضا مَسيحا
فقوله " مسيحاً " من القوافي التي يتحدى بها، لصعوبتها على من راماه وأدخلها هو في بابها، إذ كان المسيح بن مريم يشفي من العلل وأصابها.
وأدخل عليه يوماً بعض فتيانه باكورة نرجس، فكتب إلى ابن عمار يستدعيه:
قَد زارنا النَّرجسُ الذَّكيُّ ... وحانَ من يومنا العَشِىُّ
ونحنُ في مجلسٍ أنيقٍ ... وقد ظمِئَنا وثَّم رِيُّ
ولي نديمٌ غدا سمِّي ... يا ليتَه ساعد السَّمىُّ
فأجابه ذو الوزارتين أبو بكر محمد بن عمار:
لبّيك لبّيك من مُنادٍ ... له النَّدى الرّحبُ والنَّدِيُّ
ها أنا بالباب عبدُ قِنٍ ... قِبْلَتُه وجهُك السَّنِيُّ
شرَّفه والداهُ باسمٍ ... شرَّفته أنتَ والنَّبيُّ
وكتب أيضاً إلى أبي بكر بن عمار:
لمّا نأَيتَ نأى الكرى عن ناظري ... ورَدَدْتَه لما انْصَرَفْتَ عليه
طلب البشيرُ بشارةً يُجزي بها ... فرهبتُ قلبي واعتذرت إليه
أنا استحسن قول أبي فراس لسيف الدولة:
نفسي فداؤكَ قد بَعَثْ ... تُ بِعُهْدتِي بيد الرّسول
وجعلتُ ما ملكت يَدي ... صلَة المبشِّر بالمقبول
وقال ابن عباد:
تظنّ بنا أمُّ الرّبيع سآمةً ... ألا غفَر الرّحمنُ ذَنْباً تُواقِعُهْ
أأهجرُ ظبياً في فؤادي كناسُه ... وبَدرَ تمامٍ في جُفوني مَطالعه