المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٢٢
ودخلت على سلطان بلنسية - كان - العالم أبي عبد الملك مروان بن عبد الله، ابن عبد العزيز في بستانه بحضرة مراكش وهو يتوضأ للصلاة، فنظر إلى لحيته، وقد اشتعلت بالشيب اشتعالاً فأنشدني لنفسه ارتجالا:
ولمّا رأيت الشّيبَ أيقنتُ أنّه ... نذيرٌ لجسمي بانهدامِ بنائِهِ
إذا ابيضّ مُخضَرُّ النّبات فإنّه ... دليل على استحصادِه وفنَائه
وأنشدني الوزير بليغ شرق الأندلس أبو بكر بن مغاور في منزلة بمدينة شاطبة، قال: سمعت القاضي الشهيد الإمام أبا علي حسين بن محمد الصدفي يقول: سمعت الفقيه الإمام الأديب أبا زيد عبد الرحمن بن شاطر السرقسطي ينشدنا لنفسه:
قد كنتُ لا أدري لأيّةِ علَّة ... صار البياضُ لباسَ كلَّ مُصابِ
حتى كساني الدّهرُ سحقَ مُلاءَةٍ ... بيضاءَ من شَيبي لفقد شبابي
فبذا تبيّن لي إصابةُ من رأى ... لُبْس البياض على تَوَى الأحباب
يقال: تَوى يتوى، بفتح الواو في الماضي، وبكسرها في المضارع، وهي لغة طئ، والمصدر: تَوًى، مقصور؛ كل بالتاء المثناة باثنتين من فوق. ولغة أهل الحجاز: تَوِى، بكسر الواو؛ ويَتْوَى، بالفتح في المضارع، وهو اختيار الخليل: كل ذلك إذ هلك. ولبس البياض هي عادة أهل الأندلس في الحزن على موتاهم، استنوا ذلك من عهد بني أمية قصداً لمخالفة بني العباس في لباسهم السواد، ولذلك قال الأستاذ النحوي أبو الحسن الحصري:
إذا كانَ البياضُ لباسَ حزن ... بأندلسٍ فذاك من الصَّواب
ألم تَرنِي لبستُ بياضَ شَيبي ... لأني قد حَزِنت عل الشَّبَابِ
ولقيت بمدينة غرناطة الوزير الأجل أبا بكر، محمد بن أبي العافية الأزدي القتندي الأصل الأغرناطي المنشأ، وكان من بقايا الأدباء وفحول الشعراء، ورواة الحديث عن العلماء. سمع كتاب الملخص وصحيح مسلم على فقيه شرق الأندلس في زمانه الحافظ أبي محمد بم أبي جعفر. وقرأ الأدب على الأستاذ أبي عبد الله بن خطاب المرسى - عرف بالجزار. وعلى الأديب أبي عبد الله محمد بن وضاح - يعرف بالبقيرة. وقرأ على الوزير أبي إسحاق الخفاجي نظمه ونثره في مجلدين. وقرأ على الأديب أبي الوليد يونس بن أبي عيسى الخباز. وله شعر كثير وأدب غزير.
مولده سنة ثلاث شعرة وخمسمائة، وتوفي سنة أربع وثمانين وخمسمائة بأغرناطة. سمعت منه وأجاز لي ولأخي أبي عمرو وجميع ما رواه ونثره ونظمه. فمن شعره في الشيب:
لأمرٍ ما أكابدُ كلّ شَجو ... إذا سَجعت على الأيك الحَمامُ
لأنَّ بياضَها كبياِض شَيبي ... فمعنَى سجعها قَرُبَ الحِمامُ
وأنشدني هذا الوزير أيضاً لنفسه في تفاحة بيد غلام وسيم يأكلها:
ولا كتفّاحةٍ حمراءَ همتُ بها ... إذ أشبهت خدّ مَن قلبي متيَّمُهُ
سمَت بها كفُّه يوماً إلى فَمِه ... فخلتهُ البدرَ والمرِّيخُ يلثَمه
أو شَارباً كأسَ صهباءٍ معَتَّقَةٍ ... ولا حبَابَ سِوى أن رَاق مَبْسِمه
وأنشدونا لأبي عثمان سعيد بن فتحون بن مكرم التجيبي في الشيب لنفسه:
تخطُّ يدُ الزّمان على عِذارى ... سطوراً من حروف الشّيب بِيضَا
فأبغضُها وإن كانت كصُبح ... ولم أر قَبْلها صُبحا بغيضَا
ودخلت على سلطان بلنسية المتقدم ذكره، بعد ذهاب ملكه، وانتثار سلكه، في داره بمدينة مراكش، وقد كان خطب له من حصن لقنت إلى مدينة لاردة، وكانت الأوامر عنه فيها صادرة واردة؛ وهو يعالج سكرات الموت، وقد أشرف على الفوت؛ فأنشدني في ذلك الوقت الذي تذهل فيه العقول، ويزول عنها المعقول:
إله الخَلْق هَبْ لي منك عفواً ... تحطًّ به وتغفر من ذنوبِي
وسعتَ الخلق إجمالاً وفضلاً ... فهل لي في نوالك من ذَنوب
الذنوب، في اللغة: الحظ والنصيب، ومنه قول علقمة بن عبدة:
وفي كلٍّ حيٍّ قد خبطتَ بنعمة ... فحَّق لشَأْسٍ من نَداك ذَنُوبُ
أي نصيب، ومنه قول الراجز أيضاً:
لنَا ذَنوبٌ ولكم ذَنُوب ... فإن أبيتُم فلنا القليبُ