المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٢٦
وهجوه أكثر من مدحه، يا رب سامحه على قبحه. له مجلدات سماها بشفاء الأغراض، في أخذ الأعراض.
وأنشدني الشيخ الفقيه الأجل القاضي بجزيرة شقر أبو يوسف يعقوب ابن محمد بن طلحة بمنزلي بمدينة شاطبة، قال: أنشدني الوزير الأديب الشاعر المصيب أبو إسحاق الخفاجي لنفسه:
ما للزّمان يجُوز في أبنائِه ... حُكْما ويرمقُهم بعين العائِبِ
فيحطُّ عُلْوهم ويرفع سُفْلهم ... فكأنهم قلَمٌ بيُمْني كاتب
وأنشدني الأستاذ شيخ الإتقان، وواحد أئمة الفرقان، أبو العباس أحمد بان عبد الرحمن، قال: أنشدنا الأستاذ أبو داود سليمان بن يحيى، قال: أنشدنا الأستاذ أبو الحسن الحصري لنفسه:
ضاقتْ بَلَنْسِيَّةُ بي ... وذاد عنّي غُموضِي
رَقْصُ البراغيثِ حَولِي ... على غِنَاء البَعُوض
وأنشدني الوزير الكاتب الناظم الناثر العالم أبو يحيى أبو بكر بن عيد الغني، المعروف بابن الجنان، بمدينة مراكش سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، قال: أنشدني الوزير الأديب أبو الإصبغ بن رشيد، وقد هطلت بإشبيلية سحابة بقطر أحمر، يوم السبت الثالث عشر من صفر عام أربعة وستين وخمسمائة:
لقد آن للنّاس أن يُقلعوا ... ويَمشُوا على المَنهج الأَقومَ
متى عهِد الغيثُ يا غافلاً ... كلَون العَقيق أبو العَنْدم
أظنُّ الغمام في جوّها ... بكَتْ رحمةً للورَى بالدَّم
وفيها من غير هذا المعنى:
لا تكُنْ دائَم الكآبةِ ممّا ... قد سَرى في الثَّرى نميراً نَجيعَا
لَطَمَ البرقُ صفحةَ المُزن حتَّى ... سال منه على الرّياض نَجيعا
النجيع الأول، من قولهم: نجع الطعام ينجع نجوعا؛ كنا بقال: نمير. ونجع في الدابة العلف، إذا أثر فيها فسمت وقويت على المشي؛ وقد نجع فيه الخطاب والوعظ والدواء: دخل وأثر. قال الثقة عبد الله محمد بن أبي العباس اليزيدي: النجيع: ما نجع في البدن من طعام وشراب. وأنشد لمسعود أخي ذي الرمة:
وقد عَلمتْ أسماءُ أنّ حديثَها ... نَجيعٌ كما ماءُ السماء نجيعُ
والنجيع الثاني، من الدم، ما كان إلى السواد. وقال الأصمعي: هو دم الجوف خاصة.
وفيها، وأستغفر الله:
ليسَ ما قد هَمَي عذَاباً ولكنْ ... هو عندي من الثُّغور العِذَابِ
ضَحكَ البرقُ عن لِثاَت عَيقق ... بين دُرٍ من القِطار مُذَاب
وأنشدني لابن رشيد في دولاب:
ومَجْنَونٍ إذا دَارت سمعتَ لها ... صوتاً أجشَّ وطَلُّ الماء يَنهملُ
كأنّ أقدسَها رَكْبٌ إذا سَمعوا ... منها حُداءً بكَوْا للبَيْن وارتَحلوا
الأقداس: جمع قدس بفتح القاف والدال، والعامة تقول، قادوس.
وأنشدني له في اللغز، في فتى أسمه مالك:
غزاليُّ الجُفون شَقيقُ بدرٍ ... تبَّسَم عن عَقيق فوقَ دُرِ
له نفحاتُ مسكٍ أيِّ مسك ... له نفَثات سحر أيَّ سِحر
شكوتُ له الهَوى والهوْنَ منه ... فقال عليك باسمِي سوف تدري
تعملّتُ القَساوةَ من سمَيِّ ... وأحرقتُ القلوب بنار هجري
وأنشدني الفقيه الأجل العالم الحسيب أبو الحسن علي بن أحمد بن علي ابن فتح، وهو لبال بن أمية بن إسحاق القرشي الأموي، بمنزلة بمدينة شريش شذونة، وهو عين ذلك المصر، وفارسه في الفقه والنظم والنثر؛ ولي القضاء به فحمدت في ذات الله مآثره وآثاره، وسارت في العدل أخباره؛ يتشوق إلى الروضة المقدسة الطاهرة، ويسلم على محمد سيد ولد آدم في الدنيا، وسيد الناس في الآخرة ذي الآيات البينات والمعجزات الباهرة، صلى الله عليه ما زهرت الكواكب ودارت الأفلاك الدائرة.
سلامٌ ولا أقْرَا سلاماً على هنْد ... صرفتُ إذاً مسرايَ عن مَسْلَكِ الرُّشدِ
على قَمر لو أطلعتْه يدُ الثَّرى ... لقصَّر عن لألأئه قمرُ السَّعد
وأربى على نُور الغَزالة نورُه ... كما يفضلُ الحُّر الكريمُ على العَبد
فطاب به تُربُ الضريح بطيبه ... فيعبَقُ عن مِسك ندىٍ وعن نَدِّ