المطرب من أشعار أهل المغرب

المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ١٧

وكان المعز ملك صنهاجه، لم يقصده ذو حاجة إلا وقضى حاجه، وعجل بذلك سروره وابتهاجه. وإنما خلع المستنصر وأزال عنه الخلافة، وأظهر معاندته وخلافه، بعد أن كان يظهر له ولأبيه الظاهر الطاعة، ويبذل لهم الاستطاعة، أن الجرجائي الوزير، أساء معه التدبير. وأحفظه بأشياء بلغته عنه، وعقارب مكايد دبت إليه من مصر منه. وقال من له الإجادة والإحسان:
جِرَاحُ السَّيْف تُؤلُمِ ثم تَبْرا ... ولا برءٌ لما جرحَ اللّسانُ
وإلا فملك صنهاجة قديم، وشرفهم صميم، وذلك أن إفريقيس بن أبرهة ذي المنار بن الحرث الرائش بن شداد - ويقال: شدد بن الملطاط - ابن عمرو ذي أبين بن ذي يقدم بن الصوار بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن حيدان ابن قطن بن عريب بن زهير بن الغوث بن أيمن بن الهمسيع بن حمير، خرج غازيا نحو المغرب في أرض البربر، حتى انتهى إلى طنجة، ونقل البربر من أرض فلسطين ومصر والساحل إلى مساكنهم اليوم، وخلف مع البربر من خلف من حمير اليمن، مثل صنهاجة وكتامة. هذا قول ابن الكلبي، وبه قال أبو عبيد القاسم بن سلام وأبو محمد بن يعقوب الهمداني، من ولد همدان بن مالك بن زيد بن أوسلة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان ابن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وقد ذكر نسبه متصلاً إلى همدان في كتاب الإكليل المؤلف في أنساب حمير وأيام ملوكها. وهو كتاب عظيم الفائدة. قال الهمداني: ثم تقدم في المغرب، حتى بني مدينة إفريقية، وهي مشتقة من اسمه، وخلف في البربر قواما من حمير، ليردوهم على شاكلتهم القديمة، ويأخذوا إتاوتهم، ويدبروا أمورهم، فهم إلى اليوم على ذلك. ومنهم اليوم بالمغرب كتامه، ولواتة، وصنهاجة، وهم الغالبون على المغرب اليوم. حدثني بهذا الكلام نحو من عشرين شيخاً - منهم الوزير الكاتب أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن عميرة، والمحدث أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبيد الله الحجري بفتح الحاء وسكون الجيم، من حجر بن ذي رعين - قالوا: حدثنا نسابة الأندلس الفقيه أبو محمد عبد اله بن علي اللخمي المعروف بالرشاطي. ونقلته من أصله وكتابه الذي سماه ب " اقتباس الأنوار، والتماس الأزهار، في أنساب الصحابة ورواة الآثار "؛ إلا ما فيه من نسب همدان، فإني نقلته من غيره.
قال الرشاطي: فشرف صنهاجة أصيل، ومجدهم أثيل ورياستهم قديمة، ونسبتهم إلى حمير معلومة.
قال ذو النسبين، رضي لله عنه،: ووقاء السلطان تميم مشهور، وعلم ذكره بذلك منشور. حدثنا غير واحد من شيوخنا، رحمهم الله، ومنهم الفقيه المحدث المفيد المقرئ اللغوي النحوي أبو بكر محمد بن خير، بمسجده بإشبيلية سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، قال: حدثنا الفقيه القاضي المقرئ الخطيب أبو الحسن شريح ابن محمد بن شريح، قال: أنبأنا حافظ الأندلس الفقيه العالم أبو محمد علي بن أحمد بان سعيد بن حزم في كتابه إلينا، قال: حدثنا أبو البركات محمد بن عبد الواحد الزبيدي من ولد عبد الله بن الزبير، قال: حدثنا أبو علي حسين بن الأشكري المصري، قال: كنت من جلاس تميم بن أبي تميم، وممن يخف عليه جداً، قال: فأرسل إلى بغداد، فابتيعت له جارية رائعة فائقة الغناء، فلما وصلت إليه دعا جلساءه، قال: فكنت فيهم، ثم مدت الستارة، وأمرها بالغناء، فغنت:
وبدَا له من بعد ما أندَمَل الهوى ... برق تألَّق مَوهناً لمعانُه
يبدوُ كحاشية الرّداء ودونَه ... صعْبُ الذُّرى ممتنِّع أركانُه
فالنّار ما اشتملت عليه ضلوعُه ... والماءُ ما سمحت أجفانُه
قال: فأحسنت ما شاءت. فطرب تميم وكل من حضر، ثم غنت:
ستُسليك عمّا فات دولُةُ مفضِلٍ ... أوائُله محمودةٌ وأواخُرهْ
ثَنَى الله عِطفه وألّف شخصَه ... على البِرّ مُذْ شُدَّتْ عليه مآزِرُه
قال فطرب تميم ومن حضر طربا شديدا، قال: ئم غنت:
أستودعُ اللهَ في بغدادَ لي قمراً ... بالكَرخٍ من فَلك الأْزرار مطلعُهُ