المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٥٩
مثلُ حالي حقُّها أن تُشتكَي ... كَمَدُ اليأس وذلُّ الطَّمَع
غُصنُ بانٍ مال من حيثُ استوى
بات من يهواهُ من فرط الجوى
خافقَ الأحشاء موهُون القُوى
كلما فكَّر في البين بكَى ... ماله يبكي لما لم يَقع
ما لعيني شُغِفت بالنَّظر
أنكرتْ بعدك ضوءَ القَمر
فإذا ما شِئْتَ فاسْمع خَبَري
عَشِيتْ عَيناي من طُول البُكَا ... وبكَى بَعْضي على بَعضِي مَعِي
الشغاف: حجاب القلب؛ وقيل: سويداؤه؛ وهو الشغف أيضا، بالعين المهملة.
قال الله العظيم: (قد شغفها حباً) . وشغفة القلب: أعلاه، وهو معلق النياط. قال أبو عبيد: المشغوف: الذي بلغ حبه شغاف قلبه؛ وبالعين المهملة: الذي خلص الحب إلى قلبه فأحرقه.
وكان شيخنا الوزير أبو بكر - رحمه الله - بمكان من اللغة مكين، ومورد من الطلب عذب معين. كان يحفظ شعر ذي الرمة، وهو ثلث لغة العرب، مع الإشراف على جميع أقوال أهل الطب، والمنزلة العليا عند أصحاب المغرب مع سمو النسب، وكثرة الأموال والنشب صحبته زمانا طويلا، واستفدت منه أدبا جليلا. واستجزته في جميع تصانيف أسلافه وتصانيفه، وجميع شعره ونثره وتواليفه.
ومن شعره:
وموسدين على الأكفّ خُدودَهم ... قد غالَهم نومُ الصَّباح وغَالَنِي
ما زِلُت أسقيهمْ وأشربُ فَضْلَهم ... حتى سكرتُ ونالَهم ما نالني
والخَمر تعلم كيف تَطلبُ ثأرَها ... إني أملْتُ إناءها فأمَالنَي
ومن شعره:
رمتْ كبدي أختُ السِّماك فَأقصدتْ ... ألاَ بأبي رَامٍ يُصيب ولا يُخطشي
قريبةُ ما بين الخَلاخِل إن مَشَتْ ... بعيدةُ ما بين القِلادة والقُرْط
نعمت بها حتى أتيحت لنا النوى ... كذا شيم الأيام تأخذ ما تعطي
سألته رحمه الله عن مولده فقال: ولدت سنة سبع وخمسمائة. وبلغتني وفاته آخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة وأنشدني الوزير الكاتب أبو الحكم علي، ابن الوزير الأعلى أبي بكر محمد بن عبد الملك بن عبد العزيز بن محمد بن الحسين بن كميل بن عبد العزيز بن هارون اللخمي قال: أنشدني أبي لنفسه:
قد هَززتاك في المكَارم غُصْنَا ... واستَلَمنَاك في النَّوائب رُكنَا
ووجدنا الزمَّان قد لاَنَ عِطْفاً ... وتأتىَّ فِعلاً وأشْرَق حُسنا
فإنها ما سألتَه كان سَمْحاً ... وإذا ما هززتَه كان لَدْنا
مؤِثراً أحسنَ الخلائِقِ لا يع ... رف ضَناًّ ولا يُكذِّب ظَنّا
أنتَ ماءُ السماء اخصَبَ وَاد ... يه ورفَّت رياضُه فانْتَجعنا
نَزَعتْ بي إلى ودادِك نَفْسٌ ... قلَّما استمتعتْ بذي الفَضْلِ خِدْنا
وأنشدني له وقد ودع......
في ذمَّة المَجْد والعَلْياءِ مُرتَحِلٌ ... فارقتُ صَبْرِيَ مذ فارقتُ موضِعَهُ
ضاءتْ به برهةً أرجاءُ قُرْطبة ... ثم استقلَّ فَسَرَّ البَيْنُ مَطْلَعه
والوزير أبو الحكم هذا يعرف أبوه بابن المرخي. وصوابه عند أهل النحو: المرخي، بفتح الخاء. وهو من أهل قرطبة، وأصلهم من شرانة، قرية من قرى شريش شذونة. وكان أبوه بذ أهل وقته في الكتابة والأدب، واللغة وأنساب العرب؛ وكان وزيرا جليلاً بوزارة السلاطين بقرطبة، وكان ينتفع به الناس لحسن وساطته، ومبادرته إلى قضاء حوائج الناس ومشاركته.
أخذت عن ولده الوزير: أبي الحكم جميع ما رواه عن أبيه وعن غيره من أشياخ قرطبة، منهم ابن عمه الوزير الكبير أبو جعفر بن عبد العزيز. وأخذت عنه استدراكه على الوزير أبي عبيد البكري في معجم ما استعجم، وذلك نحو من أربعمائة موضع. وسمعت من لفظه أوهام ابن قتيبة في المعارف. وصحبته كثيرا، وأخذت عنه فضلاً غزيرا، واستجزته في جميع ما رواه، وألفه، فأجاز لي ولأخي الحافظ أبي عمرو. وسألته عن مولده، فقال: ولدت آخر سنة تسع عشرة وخمسمائة. وتوفي رحمه الله بحضرة مراكش سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وشهدت جنازته.
وصاحب أحكام القضاء بمدينة مالقة، الفقيه العالم: أبو الحسن صالح بن عبد الملك.
ابن سعيد الأوسي