المطرب من أشعار أهل المغرب

المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٥٣

يَقُدّ فُؤادي قَدُّها وهو ذَابلٌ ... على أنهَّ غُصن من البان يانِع
وتَجرح أحشائِي بعينٍ مَريضةٍ ... كَما لان مَتْنُ السّيف والحدُّ قَاطع
خَضعتُ لها في الحُبّ من بعد عزَّتي ... وكلُّ مُحبٍّ للأحبّة خَاضع
وماذا أجنَّت من أزاهر جَنّةٍ ... كَمائُم من رَيْط وهُنَّ البَرَاقع
وفوقَ شَبيهِ الوَرْد يُلحظُ عكسها ... لودِاغُ في قلبي لها ولواذغ
وقالُوا بُدورٌ والشُّعورُ حَنادِس ... وهنّ شُموس في الغُصون طَوالع
دَعتْ وادَّعت ملْكي لَدَى حاكِم الهوَى ... ولِي لِلْهَوى قَلْبٌ مُطِيع وسَامع
ولاحاكٌم أرْضاهُ يبَنْي وبَيْنها ... سِوَى مَلِكٍ دَهري له اليومَ طائِع
يُدافُع عنِّي الضِّيْمَ قائُم سَيْفه ... إذا عَزَّ من للضَّيْم عنِّي يُدافع
هُو الكاملُ الأوصافِ والمَلِكُ الذي ... تُشِير إليه بالكَمال الأصابع
لِبِيضِ أياديه الكَريمِة في الوَرى ... قَلائدُ في الأعْناق هُنّ الصَّنائع
ويوَماه يوَماه اللذان هُما هُما ... إذا جَمعت غُلْبَ الملوكِ المَجامع
فيوم ندًى فوق السَّرير موقَعٌ ... ويومُ ردًى تحت اللواءِ مُواقع
وأنحى ملوِك الأرض في لُغة الوَغى ... وأعْرَبهم بالسّيف حين يُماصع
ومِن نَحْوه يوم الجلادِ عواملٌ ... خَوافضُ للهامَات فيه رَوافع
كتائبهُ مَنْصورةٌ بكتائب ... مِن المَلأ الأعْلى وجِبْريُل وازِع
تَهِيم بِمَغْزَاُه خِلالٌ أبِيَّةٌ ... وتَغْنَى بَمْغناه نُفوسٌ نَوَازِع
فلا يَطْمَعَنْ فيه العِدَا فُلَّ حَدٌهمففي غير أمْن الله يَطْمع طامع
والقصيد طويل.

الوزراء الأجلاء الشعراء
أبو محمد وأبو بكر وأبو الحسن بنو القبطرنه بيت الفضل والإحسان، والمعاني الحسان. فمن أحسن أخبارهم، ورقيق أشعارهم أنهم باتوا ليلة في زمن الربيع بالمنية التي أنشأها السلطان المتوكل على الله؛ وسماها بالبديع، يتعاطون كئوس الراح، ويدور عليهم منها أقداح الأفراح؛ إلى أن غلبهم النوم، وربط على آذانهم فارتفع عنهم اللوم؛ فلما تبلج وجه الصباح، وألبست الشمس معصفر خلعها فجاج البطاح؛ هب كل واحد منهم من نومه منشدا رافعاً عقيرته يالإنشاد مغردا؛ فقال الوزير الأوحد أبو محمد:
يا شَقِيقِي أتَى الصّباحُ بوَجْهٍ ... سَتَر الليلَ ضَوْؤُه وبَهاؤُهُ
فاصْطَبِحُ واغْتَنِمْ مَسَرَّة يَوْمٍ ... لستَ تَدْرِي بما يَجئ مَساؤُه
ثم استيقظ الوزير الخطير أبو بكر فقال:
يا أخي قُمْ تَرَ النَّسيم عَلِيلا ... باكرِ الروَّضَ والمدُامَ شَمُولاَ
لا تَنَمْ واغْتَنِمْ مَسَرَّة يَوْمٍ ... إنّ تَحت التُّراب نَوْماً طَوِيلا
ثم استيقظ أخوهما الوزير الحسن أبو الحسن فقال:
يا صَاحبيّ ذَرَا لَوْمي ومَعتَبتِي ... قُمْ َنْصَطِبح خَمْرًة من خَير ما ذَخرُوا
وبَادِرَا غَفْلَة الأياِم واغتَنمِا ... فاليومَ خمرٌ ويبدُو في غَدٍ خَبَرُ
وذو الوزارتين الناظم الناثر الكثير المعالي والمآثر أكتب أهل زمانه على الإطلاق، وآدب أهل الأندلس بالإجماع والاتفاق؛ مع التقييد للحديث، والاشتغال بعلومه في القديم والحديث:

ابن أبي الخصال
أبو عبد الله محمد بن مسعود حدثني عنه خمسون شيخاً، منهم قاضي القضاة إمام النحويين، بقية أعلام مشيخة الأندلسيين، أبو جعفر أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن سعد بن مضاء اللخمي رضى الله عنه.
فمما أنشدونا له في مطرب:
وافَي وقد عَظُمتْ علىّ ذُنُوبُه ... في غَيبة قَبُحت بها آثارُهُ
فَمَحَا إساءَته بها إحسانُه ... واستغفرتْ لذُنوبه أوتارُه
وله يعتذر من استبطاء المكاتبة:
ألم تَعْلموا والقلْبُ رَهْنٌ لَديكم ... يُخبِّركم عَنِّي بمُضْمرِه بَعدِي