المطرب من أشعار أهل المغرب

المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٣٧

ولو سقنا جميع ما لأهل قطرنا في مثل هذا لخرجنا عن غرضنا. فلنرجع إلى شعر الغزال فإنه قال في آخره:
إن تُرد المَاَل فإني امرؤٌ ... لم اجَمع المالَ ولم اكْسِبِ
إذا أخذتَ الحقَّ مِنِّي فلا ... تَلتَمِس الرّبح ولا تَرغَب
قَد أحسنَ الله إلينَا معا ... إن كان رأس المال لم يذهب
والسبب في نظم هذا الشعر أن أبا المطرف عبد الرحمن المذكور كان ولاه قبض الأعشار ببلاط مروان واختزانها في الأهراء. وكان توسل إليه بمديح مدحه به، فنفق الطعام في ذلك العام، وسما السعر بالقحط سموا كثيرا، فوضع يده في البيع حتى أتى على ما كان عنده في الأهراء. ثم إنه نزل الغيث ورخص الطعام، فأعلم السلطان بما صنع الغزال من البيع، فأنكره وقال: إنما تعد الأعشار لنفقات الجند والحاجة إليها في الجهد، فماذا صنع الخبيث! خذوه بأداء ما باع من أثمانها واشتروا به طعاما، واصرفوه في الأهراء إلى وقت الحاجة إليه. فلما طلب منه ثمن ما باع أبى من ذلك وقال: إنما أشتري لكم من الطعام عدد ما بعت من الإمداد، وبين العددين بون كثير نحو من ثلاثين ألفا. فأعلم السلطان بامتناعه من الأداء، وبما ذهب إليه من شراء مثل ما باع. فأمر بسجنه وحمله إليه في الكبل، فسيق منها إلى قرطبة، وسجن بها فصنع هذا القصيد، ورفعه إليه. فلما قرئ شعره أعجب به، واعجب به الحاضرون، وقال له بعضهم: لقد أنصفك الغزال في قوله:
قد أحسنَ الله إلينا معاً ... إن كان رأسُ المال لم يذهبِ
فإنه لو ذهب أيها الإمام، أي ذمة كانت تفي به للغزال، مع ما هو عليه من الانهماك في الشهوات وقلة المال! فضحك الإمام وأمر بإطلاقه.
وكان عبد الرحمن من أهل العلم، متسما بالكرم والحلم، قديرا على النثر والنظم. له غلام جميل كان له، اسمه بدر:
أنظُر إلى بدرٍ وكي ... ف بدَا بصفحته العِذَارْ
فكأنَّه بدرُ التّما ... م بَدا بِه طرَف السّرِار
وقال ذو النسبين رضي الله عنه: وأنشدني الوزير الكاتب أبو عبد الله محمد ابن أبي القاسم بن عميرة، قال: أنشدني ذو الوزارتين أبو محمد قال: أنشدني أبي ذو الوزارتين أبو الحسن جعفر بن إبراهيم بن الحاج اللورقي في ذم العذار:
أبَا جعفر مات فيك الجما ... لُ فأظهرَ خدك لبُسَ الحِدَادِ
وقد كانَ ينُبت نَور الرَّبي ... ع فأصبحَ ينبُت شَوك القَتَاد
أبِن لي مَتَى كان بدرُ السَّما ... ء يُدرَك بالكون أو بالفَساد
وهل كنتَ في المُلْك من عبد شم ... سٍ فأخْشى عليك لباسَ السّواد
وفي ضدّه قولُ الأستاذ أبي محمد بن سَارة في مدحه:
ومُعذَّرٍ رقَّت حواشي حُسْنه ... فقلوبُنَا وَجْداً عليه رِقَاقُ
لم يُكْسَ عارضُه السّوادَ وإِنّما ... نَفَضت عليه صباغَها الأحداقُ
وهذا أيضا من الغَريب العجيب.
ومن احسن ما رأيتُ فيه مما انفردَ قائلُه بمعناه، ولم يَشْرَكه فيه أحد سواه، قولُ أبي مروان عبِد الله بن سُريَّة البَلَنْسى:
دبّ العِذَارُ بخدّه ثم انْثَنى ... لما دَنا من لَثم فيه الأَشنبِ
لا غَرْوَ إِن خُشِى الرَّدى في لَثْمه ... فالرِّيق سُمٌّ قاتِلٌ للعَقرب
وما أوردناه في العِذار من النظم، هو من المعاني العُقم، وإنما اجْتُلِبتْ هذه الأبيات صلةً لأبيات السلطان عبد الرحمن والشّيُء يذكر بمثله، تغمّدنا الله بفضله.