المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٤٣
صاحب كتاب العقد الذي انجد وغار، وملأ بذكره الآفاق والأقطار. وذكر العالم المؤرخ الثقة أبو بكر الحسن بن محمد بن مفرج المعافري القرطبي - يعرف بالقبشي - لسكناه بها، في كتابه الذي سماه بكتاب الاحتفال في تاريخ أعلام الرجال، الذي حدثنا به المحدث العدل أبو القاسم بن بشكوال، عن الحافظ الثقة أبي محمد بن يربوع عن الثقة أبي محمد بن خزرج عنه، قصة جرت لابن عبد ربه، مع الكاتب أبي حفص عمر بن قلهيل في التسمع على جاريته مصابيح. واتفق أن اجتاز أحمد بن محمد بن عبد ربه بدار أبي حفص عشية فقرع سمعه من طيب الغناء ما استوقفه، وأراد الدنو من الباب. وقيل، إنه صب عليه من العلية ماء بل ثيابه، فلم يردعه ذلك عن طلب الازدياد في السماع. فعدل إلى مسجد بقرب الدار، وسأل المعلم فيه أن يأتيه بدواة وبياض يكتب فيه، فجاءه بهما فكتب، إلى قلهيل رقعة فيها: بسم الله الرّحمن الّرحيم. طاولتَك النِّعم وطالت بك. إنا لَمسنا سماءَ لَهوك، (فَوَجَدْنَهَا مُلِئَت حَرَساً شَديداً وشُهُباً. وأنَّا كُنَّا نَقعُدُ منهَا مَقَعِدَ للَّسمع، فَمَن يَستَمعِ الآنَ) ... إلى آخر الآية. وفي ذلك أقول:
يا مَن يضَنّ بصوت الطائر الغَرِد ... ما كنتُ أحسَبُ هذا الضَّنّ في أحَدِ
لو أنّ أسماعَ أهلِ الأرض قاطبةً ... أصغتْ إلى الصّوت لم ينقُص ولم يَزد
لولا اتقائي شِهاباً منك يُحْرقني ... بنَاره لاستَرقتُ السّمع من بُعُد
لو كان زريابُ حياًّ ثم أسمَعه ... لماتَ من حَسد أو ذَاب من كَمَد
فلا تَضَنَّ على أذنْي تُقَرِّطها ... صوتًا يَجُول مجالَ الرُّوح في الجَسَدِ
أمّا الشّراب فإني لست أقرَبه ... ولستُ آتيك إلا كِسْرتي بيدي
وسأل البواب فأوصل الرقعة إليه، فلما قرأها وعرف موضعه جاء حافياً إليه، وسأله الحضور ففعل. ثم قال ممازحاً: هات الكسرة التي زعمت أنك ترفع عنا مئونتها. فقال: أنصرف فآتيك بها. فأقام أحمد عنده أياماً. وقد ذكر هذه الحكاية الحميدي في جذوة المقتبس له مبتورة مصحفة.
وزرياب عندهم كان يجري مجرى الموصلي في الغناء، وله طرائق أخذت عنه، وأصوات أستفيدت منه. وقدمناه ذكره عند ذكر الغزال، وسقنا خبره.
ومن شعر ابن عبد ربه:
الجسمُ في بلد والرّوحُ في بلدِ ... يا وَحْشةَ الرُّوح بل يا غُرْبة الجَسَدِ
إن تَبْك عيناكَ لي مَن كَلفْتُ به ... مِن رحمةٍ فهُما سَهمَاك في كَبِدي
قال الحميدي: ومما أنشدنيه من شعره أبو محمد علي بن أحمد، واخبرني أن بعض من كان يألفه أزمع على الرحيل في غداة ذكرها، فأتت السماء في تلك الغداة بمطر جود حال بينه وبين الرحيل، فكتب إليه أبو عمر:
هلاّ ادَّكرت لبَيْن أنت مبتكُر ... هيهات يأبَى عليك اللهُ والقدرُ
ما زلتُ أبكي حِذَار البَيْن مُرْتَهنا ... حتى رثَى لَي فيك الريحُ والمطرُ
يا بَردةً من حَياَ مُزْنٍ على كَبدٍ ... نيرانُها بِغَليل الشَّوق تَسْتعر
آليتُ ألاّ أرى شمساً ولا قَمراً ... حتى أراك فأنت الشمس والقمرُ
ولأبي عمر بن عبد ربه هذا مدائح كثيرة ومجموعات كبيرة في مدح مواليه بني أمية. آخرها ما جمع للمستنصر بالله الحكم بن عبد الرحمن الناصر لدين الله، ثم كفر عن جميع ما قال واحسن المقال وسماها بالممحصات، والله يقبل التوبة ويعفو عن السيئات. فمن ذلك قطعة محص بها القطعة المذكورة آنفا:
يا عاجزاً ليس يعفُو حيث يَقتدرُ ... ولا يُقَضَّي له من عَيشه وطَرُ
عَاين بقلبك إنّ العين غَافلةٌ ... عن الحقيقة واعلم أنها سَقَر
سوداءُ تَزْفِرُ عن غيظٍ إذا سُعرت ... للظَّالمين فلا تُبقى ولا تَذَر
إنّ الذين اشْتروا دُنيا بآخرة ... وشِقْوةً بنعيمٍ ساءَ ما تَجَروا
يا من تلهَّى وشيبُ الرأس يندُبه ... ماذا الذي بعد شيبِ الرّأسِ تنتظر
لو لم يكن لك غيرُ الموت موعظةً ... لكان فيه عن اللذَّات مُزدَجَر