المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٦٤
أنشدني الفقيه المحدث المتقن أبو القاسم أحمد بن يوسف بن عبد العزيز ابن محمد بن رشد القيسي، قال: أنشدنا أبو بحر سفيان بن العاصي الأسدي قال: أنشدنا الإمام العالم الأوحد القاضي أبو الوليد هشام بن أحمد بن هشام بن خالد بن سعيد الكناني يعرف بالوقشي: ووقش: قرية بخارج طليطلة، بينها وبينها اثنا عشر ميلا. وأبو الوليد الوقشي أحد رجال الكمال في وقته، باحتوائه على فنون المعارف، وجمعه لكليات العلوم، وهو من أعلم الناس بالنحو واللغة، ومعاني الأشعار وعلم العروض وصناعة البلاغة. وهو بليغ مجيد شاعر، متقدم حافظ للسنن وأسماء نقلة الأخبار، بصير بأصول الاعتقادات، وأصول الفقه، واقف على كثير من فتاوى الأمصار، نافذ في علم الشروط والفرائض، محقق لعلم الحساب والهندسة، مشرف على جميع آراء الحكماء، حسن النقد للمذاهب، ثاقب الذهن في تمييز الصواب، ويجمع إلى ذلك آداب الأخلاق مع حسن المعاشرة، ولين الكنف وصدق اللهجة. وتوفي رضي الله عنه في دار خال أبي الإمام العالم الحسيب أبي بكر عتيق بن محمد بن عبد الحميد بدانية، يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء لليلة بقيت لجمادى الآخرة من سنة تسع وثمانين وأربعمائة.
قال الإمام أبو بحر، وكان مختصا به، ويقدمه على جميع من لقي من شيوخه، أنشدنا لنفسه:
قد بَيَّنتْ فيه الطبيعةُ أنها ... ببدَيع أفعال المُهيمن ماهرَةْ
عُنِيت بمبسَمِه فحطَّت فَوقه ... بالمِسْك خَطاًّ من مُحيط الدَّائرةْ
وهذا شعر وهندسة.
وأنشدنا الفقيه الإمام المحدث الأصولي النحوي اللغوي أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن باديس بن القائد الحمزي - ينسب إلى حمزة الشرق، على مقربة من أشير، سميت بحمزة بن الحسن بن سليمان بن الحسين بن علي ابن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وهو الذي أسسها وبناها. وكان للحسن بن سليمان، وهو الذي دخل المغرب، من البنين: حمزة هذا، وعبد الله، وإبراهيم، وأحمد، ومحمد، والقاسم، وكلهم أعقب - مولد شيخنا بمدينة المرية سنة خمس وخمسمائة وتوفي رحمه الله بمدينة فاس، يوم الجمعة بعد الصلاة، في أول وقت العصر السادس من شوال سنة تسع وستين وخمسمائة، وهو يتلو سورة الإخلاص، يكررها بسرعة. ثم تشهد ثلاث مرات وسقط على وجهه ساجدا، فرفع ميتا، وذلك بعد خروجه من الحمام وحلق رأسه، واستحداده واستعداده للقاء ربه، جلت قدرته.
قرأ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتقنه على أبي جعفر بن عزلون صاحب القاضي أبي الوليد الباجي، وعلى القاضي الإمام أبي القاسم ابن ورد، وروى صحيح مسلم عن أبي عبد الله بن زغيبة الكلابي يرويه، عن العذري. ورحل إلى شرق الأندلس للقاء الأستاذ العالم إمام النحو والآداب، والشارح للحديث والفقيه والأصول والأنساب، أبي محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسى، فقرأ عليه كتاب التنبيه على الأسباب الموجبة لاختلاف الأمة، وهو كتاب حسن.
وأنشدنا شيخنا هذا الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف الحمزي، يعرف بابن قرقول في سفرة صحبته فيها سنة أربع وستين وخمسمائة، وأجاز لي جميع رواياته قال: أنشدنا الأستاذ النحوي أبو محمد بن السيد لنفسه:
أخُو العِلْم حٌي خالدٌ بعد مَوْته ... وأوصالُه تحتَ التُّرابِ رمِيمُ
وذُو الجهل مَيْتٌ وهو ماشٍ على الثَّرى ... يُظنُّ من الأحْياء وهو عَديمُ
وشيوخ شيخنا جملة عديدة، وتصانيفه متقنة مفيدة.
وممن لقيت بحضرة مراكش الوزير الكاتب:
أبو عبد الله الشاطبي
وكان فرداً في الكتابة والشعر والخطابة، فمن شعره:
متى وعدْتُك في تَرْك الصَّبا عِدَةً ... فاشْهدْ على عِدَتي بالزُّور والكَذِبِ
أمَا تَرى اللّيلَ قد ولَّتْ عساكُره ... وأقبلَ الصُّبحُ في جَيْشٍ له لَجِب
وجدَّ في أثَر الجَوْزاءِ يَطْلُبها ... في الجو رَكْضَ هلالٍ دائِم الطَّلب
كصَوْلجانِ لُجين في يَديْ مَلِكٍ ... أدناهُ من كُرةٍ صِيغت من الذّهب
فقُم بنا نَصطبح صَفْراءَ صافيةُ ... كالنّار لكنَّها نارٌ بلا لَهب
وله: