المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٦
أبو محمد عمر، ابن السلطان عالم ملوك الأندلس المظفر أبي بكر محمد بن عبد الله بن مسملة. وكان أعلمهم بالنسب وأيام العرب، وأجمعهم لغرائب اللغات والأخبار ومحاسن الأشعار. وألف تأليفا بديعا في خمسين مجلدا، ينسب إليه، وقد طالعته. وتوفي رحمه الله بحضرة ملكة مدينة بطليوس في منتصف شهر رمضان المعظم سنة ستين وأربعمائة، وهو ابن سبعين عاماً.
حدثني الوزير الكبير الحكيم الفقيه الأديب النحرير، أبو بكر بن زهر قال: حدثنا عظيم دولتهم ووزير مملكتهم العالم الأوحد أبو محمد عبد المجيد بن عبد اله بن عبدون القرشي الفهري قال: سمعت السلطان المظفر رحمه الله يقول. فذكر تواليفه كلها دقها وجلها.
وأما ولده السلطان المتوكل على الله، فله نثر تسري فيه رقة النسيم، ونظم يزري بالدر النظيم، مع جود وكرم وخيم؛ كما قال فيه ابن حنظلة البطليوسي:
زعم الناسُ أنّ حاتِمَ طيٍ ... أوّلٌ في النّدَى وأنتَ الثّانيِ
كذَب النّاس ليس ذاك صحيحاً ... هو مَرْعًى وليس كالسَّعْدان
وأما عدله فشاع في بلاده وذاع، وملأ الأصقاع والبقاع. فمن قوله يستدعي الوزير أبا طالب بن غانم، أحد ندمائه ونجوم سمائه:
أقْبِلْ أبَا طالٍب إلينا ... واسقُط سُقوطَ النَّدى عَلَيْنَا
فنحنُ عقدٌ بغير وُسْطَى ... ما لم تكن حاضِراً لدَينا
وحدثني الوزير الكاتب المحدث الفاضل أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم ابن عُميرة، قال: سمعت الوزير الكاتب أبا نصر الفتح بن محمد بن عبيد الله بن خاقان يقول: أخبرني الوزير أبو محمد بن عبدون أنه سايره إلى شنترين قاصية أرض الإسلام، السامية الذُرى والأعلام؛ التي لا يروعها صرف، ولا يفرعها طرف؛ لأنها متوعرة المراقي، معثرة للراقي؛ متمكنة الرواسي والقواعد، على ضفة نهر استدار بها استدارة القلب بالساعد؛ قد أطلت على خمائلها إطلال العروس من منصتها، واقتطعت في الجو أكثر من حصتها، فمروا ببلش قطر سالت به جداوله، واختالت فيه خمائله؛ فما يجول الطرف منه إلا في حديقة، أو بقعة أنيقة. فتلقاهم ابن مُقانا قاضي حضرته وأنزلهم عنده، وأورى لهم بالمبرة زنده؛ وقدم طعاماً، واعتقد قبوله مناً وإنعاماً. وعندما طعموا قعد القاضي بباب المجلس رقيباً لا يبرح، وعين المتوكل حياءً منه لا تجول ولا تمرح. فخرج أبو محمد وقد أبرمه القاضي بتثقيله، وحرمه راحة رواحه ومقيله؛ فلقى ابن جيرون منتظراً له، وقد أعد لحلوله منزله؛ فصار إلى مجلس قد ابتسمت ثغور نواره، وخجلت خدود ورده من زواره؛ وأبدت صدور أباريقه أسرارها، وضمت عليه المحاسن أزرارها. ولما حضر له وقت الأُنس وحينه، وأرجت له رياحينه؛ وجه من يرقب المتوكل حتى يقوم جليسه، ويزول موحشه لا أنيسه؛ فأقام رسوله وهو بمكانه لا يريمه، قد لازمه كأنه غريمه؛ فما انفصل، حتى ظن أن عارض الليل قد نصل. فلما علم أبو محمد بانفصاله بعث للمتوكل قطيع خمر وطبق ورد وكتب معهما:
إليكَها فاجْتَلِهَا مُنيرةً ... وقد خَبا حتَّى الشِّهابُ الثّاقبُ
وَاقفةً بالبابِ لم يُؤْذن لها ... إلا وقد كادَ ينام الحاجبُ
فبعضُها من المَخَاف جَاِمدٌ ... وبعضُها من الحياء ذائُب
فقلبها، وكتب إليه:
قَد وصلت تلك الّتي زَفَفْتَها ... بكراً وقد شابَتْ لها ذوائبُ
فَهُبَّ حتى نستردَّ ذاهِباً ... من أُنسِنا إن اسْتُرِدَّ ذاهبُ
فركب غليه، ونقل ما كان معه في المجالس، وباتا ليلتهما لا يرميان السهر، ولا يشيمان برقا إلا الكأس والزهر.