المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٢٥
وصيّرتُم العُتبي عِتاباً فكلّما ... أبّثُكُم شَجوى تَزيدونني شَجوا
قضى الله أن أقْصَي وأصفِيكم الهوى ... وغيري يُسْتدنَي وإن كان لا يهوى
وما كان ظَنّي قبل ذا أنّ حاسدي ... بِمَنْهَلكم يُروي وأنّيِ لا أروي
وما جلَت البَلوى عليّ وإنما ... شماتَةُ أعدائي أجلُّ من البَلْوى
وأنشدني أيضاً قال: أنشدني للفقيه الأجل أبي العباس أحمد بن سعيد ابن غازي السبتي يصف ناقة:
حَرْف كمثل الصّادِ إلا أنها ... بعد السُّرى جاءت كحرف النُّونِ
كالبدر قَدَّره الإله منازلاً ... في الأفق حتّى عاد كالعُرجون
والحرف: المسنة. وقال أبو زيد سعيد بن أوس اللغوي: هي النجيبة التي أنضتها الأسفار، وأنكر على من قال: هي المهزولة. وقال صاحب كتاب العين. هي الصلبة، شبهت بحرف الجيل، ثم قال: شبهت بحرف السيف في مضائها.
وأنشدني جماعة من شيوخي رحمهم الله، منهم: الشيخ الفقيه المقري المجود الخطيب المحدث أبو جعفر أحمد بن البلنسي، المعروف بابن اليتيم، بجامع مدينة مالقة قال: أنشدني العالم الزاهد المقرئ الأديب المتصوف أبو العباس أحمد بن محمد بن موسى بن عطاء الله الصنهاجي، المشهور بابن العريف:
سلُوا عن الشّوق من أهْوى فإنهْم ... أدنَى إلى النِّفس من وهْمي ومن نَفَسِي
ما زلتُ مذ سكَنُوا قلبي أصونُ لهم ... لحْظِي وسمعي ونُطقي إذ هُمو أنُسي
وفي الحشَا نَزلوا والوهُم يجرحهم ... فكيف قَرُّوا على أذكى من القَبَسِ
حلُّوا الفؤادَ، فما أندى، ولو وَطِئوا ... صخْراً لجادَ بماء منهُ مُنَبجسِ
لأنهضَنَّ إلى حشري بحبِّهم ... لا بارك الله فيمَنْ خانهم فَنَسِى
وأنشدني الشيخ الفقيه الأجل، إمام النحويين، قاضي قضاة المغرب، بقية أعلام مشيخة الأندلسيين، أبو جعفر أحمد بن عبد الرحمن بن مضاء اللخمي رضي الله عنه قال: أنشدني الفقيه الإمام المفسر النحوي الأصولي، القاضي بمدينة المرية أبو محمد عبد الحق بن الإمام أبي بكر غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي يمدح الملثمين ملوك المغرب المتقدمين:
إذا لُثِّموا بالرّيط حِلْتَ وجوههم ... ازَاهرَ تبدو من فُتوق كَمائِم
وإن لُثِّموا بالسابريةَّ أظهروا ... عيونَ الأفاعي من جلود الأراقم
وأنشدني شيخنا أيضاً قال: أنشدنا أستاذ المقرئين الفقيه الخطيب القاضي إشبيلية أبو الحسن شريح بن محمد بن شريح الرعيني قال: أنبأنا الإمام حافظ أهل زمانه أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري لنفسه في كتابه إلينا:
لئن أصبحتُ مرتحلاً بشخصي ... فَرُوحِي عندكُم أبداً مُقيمُ
ولكن للعِيانِ لطيفُ معْنًى ... له سأل المعاينةَ الكليُم
وأنشدني جماعة من شيوخي رحمهم الله منهم الأستاذ النحوي أبو القاسم السهيلي - والأستاذ كلمة ليست بعربية، ولا توجد هذه الكلمة في الشعر الجاهلي. وأصطلحت العامة إذا عظموا المحبوب أن يخاطبوه بالأستاذ، وإنما أخذوا ذلك من الماهر بصنعته، لأنه ربما كان تحت يده غلمان يؤدبهم، فكأنه أستاذ في حسن الأدب. حدثني بهذا جماعة بغداد، منهم جمال الدين أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله. قال: سمعته من شيخنا اللغوي أبي منصور موهوب ابن أحمد الجواليقي، في كتاب المعرب من تأليفه وكان السهيلي فردا في زمانه، لبراعته في العلوم وافتنانه. قال: أنشدني الإمام العالم الزاهد أبو عبد الله محمد بن معمر المذحجي قال: أنشدني الأديب الشاعر أبو القاسم خلف بن فرج الألبيري - المعروف بالسميسير - لنفسه:
بعوضٌ جَعلْن دَمي قهوةً ... وعَنَّينني بضُروب الأغانْ
كأنّ عُروقَي أوتارُها ... وجِسمِي الرَّبابُ وهنّ القِيان
وأنشدني سيدي أبي رضي الله عنه للسميسر يصف الدهر وتقلبه بأهله، وذلك من فعل الله لا من فعله:
النّاسُ مثلُ حَبابٍ ... والدّهر لجّةُ ماءِ
فعالَمٌ في طُفُوٍّ ... وعالَمٌ في انطفاء