المطرب من أشعار أهل المغرب

المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٣٤

إلا انه كان خبيث اللسان، ما كف هجوه عن إنسان، ما برح مدة حياته منتزحا عن الأوطان، خائفاً مترقباً من السلطان؛ لما شهد به الناس عليه، ونسبوه إليه؛ من الزندقة والإلحاد، وإنكار حشر الأجساد؛ وانكبابه على الاشتغال بكتب ابن سينا وانكفافه، وميله عن الكتاب والسنة وانحرافه؛ وقد وجد هالكا في حفرة تتمزق فيها اللحام والجلود، وتنهشها الحشرات العابثة والدود، ويتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيتوب ولا مرجع إلى الدنيا ولا مردود.
فمن مليح ما حدثنا عنه، وسمعه أشياخنا منه؛ أنه ساقته يوماً سوائق الأقدار، في بعض الأسفار؛ وقد ولى شباب النهار؛ إلى خان بمغيلة من أنظار فاس، تأوي إليه الغرباء من الناس؛ فتبوأ من بيوته أحرجها، وأهجنها وأسمجها. وكان من معاصريه الأستاذ أبو بكر اليكي وكان مثله في أخذ الأعراض والهجاء، والتقدم بين فرسان تلك الهيجاء؛ وكل واحد منهما على لقاء صاحبه حريص، بيد أن ماله عن ملازمة مركزه محيص. فبينما ابن البتي جالس بذلك البيت وقد انسدلت ستور الظلام، وهمعت دموع الغمام؛ إذ هجم عليه لتوقي المطر رجل فسلم وجلس، وأذكى الخاني القبس، فقال أبو بكر اليكي:
وقِنديلٍ كأنّ الضوءَ منه ... مُحيَّا من أحِبُّ إذا تَجلَّى
فأجابه أبو جعفر بن البتي بقوله:
أشار إلى الدُّجى بلسان أفعى ... فشَمَّر ذَيلَه فَرَقاً ووَلَّى
فقال: أنت البتي! فقال: أنت اليكي! فتعانقا وباتا يقتطفان ثمر السمر، إلى أن غارت النجوم وغاب وجه القمر.
ومن شعراء المعتصم بالله أبي يحيى محمد بن معن بن أبي يحيى محمد بن صمادح التجيبي، صاحب مدينة المرية وأعمالها السنية: الأديب

أبو القاسم الأسعد بن إبراهيم
فمن شعره:
سَكران لا أدري وقد وافَى الكَرى ... أمن المَلاحة أم من الجِرْيان
تَتنفّسُ الصهباء في لَهَواته ... كتنفُّس الرَّيحان في الآصال
وكأنما الخِيلانُ في وَجَنَاته ... ساعاتُ هَجر في زَمان وصَال
وله أيضا:
لبسوا من الزَّرَد المُضاعَف نَسْجُه ... ماءً طفت للبيض فيه حَبابُ
صَفٌّ كحاشية الرِّداء يَؤُمّه ... صَفُّ القَنَا فكأنه هُدَّابُ
وهذا من قول عبد الجليل بن وهبون في ابن عباد، وقد تقدم:
كأنّما البحر عينٌ أنتَ ناظرُها ... وكلُّ شط بأشخاص الورى شُفُرُ
وقال أبو إسحاق الخفاجي:
وغَدَت تَحُفُّ به الغُصُون كأنّها ... هُدْبٌ تَحُفُّ بمُقْلةٍ زَرْقاءِ
ومن شعراء الأندلس، وأصحاب ممالكها الدرس، الأديب الكاتب:

أبو حفص ابن برد
أحمد بنُ محمدِ بنِ أحمد بنِ بُرد
مولى أبي عامر بن شهيد المبدع في التشبيه والتمثيل، والبارع في المحاكاة والتخييل، من أهل بيت جليل.
له رسالة في السيف والقلم والمفاخرة بينهما، وهو أول من سبق إلى القول في ذلك بالأندلس.
وله في النرجس، وأهل الأندلس يسمونه البهار، واسمه في اللغة العبهر:
تنبَّه فقد شقَّ البَهارُ مغلِّسا ... كمائمَه عن نُوره الخَضِل النِّدي
مَداهنُ تِبْرٍ في أنامل فضّة ... على أذْرُع مَخْروطةٍ من زَبَرْجد
وهذا من مليح التشبيهات في النرجس، وبديعها وغريبها وصنيعها. واكثر ما تواردت خواطر الشعراء على تشبيهه بالعيون المراض، كقول أبي عبد الله محمد بن الحسن الكاتب من شعراء جزيرة صقلية، أعادها الله بعزته على الإسلام:
بخدّك آسٌ وتفّاحةٌ ... وعَينك نَرْجسةٌ ذابِلَهْ
وريقُك من طِيبه قَهوةٌ ... فوجُهك لي دَعْوة كامله
وقال آخر من أهل العصر:
غَزالٌ له في كُلّ عضو محاسنٌ ... يقومُ لخَلاّع العِذار به العُذْرُ
فوجنتُه وردٌ وعيناه نرجسٌ ... ومَبْسِمه كأسٌ وريقُته خمرُ