المطرب من أشعار أهل المغرب

المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ١٣

واكن يفضله على ابن العربي، وابن عياض، وغيرهما. قرأت عليه مدة مديدة، ولزمته أعواماً عديدة، وسألته أن يجيز لي، ولأخي الحافظ أبي عمرو جميع ما رواه وجمعه، وتكلم فيه من العلم أو وضعه، فأجابني إلى ذلك، وقال لي: لم أفعله لأحد قبلك، ممن سلك هذه المسالك، وإنما اشتغلت عن كثرة الرواية بالدرس والدراية.
وسألته عن مولده، فقال: ولدت في شعبان سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وتوفي رضي الله عنه شهيداً من داء البطن ليلة الخميس آخر الليل. ودفن ظهر يوم الخمسي الخامس والعشرين من شعبان سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وهو على أحكامه وإعزازه وإكرامه.
فمن شعر الأديب أبي الطيب أحمد بن الحسين بسندنا المتقدم إليه، رحمة الله علينا وعليه، فمن ذلكم في النسيب:
متى طلَعت تلك الأهلَّة في الخُمْر ... ونابَتْ لنا العيونُ عن الخَمْرِ
ومن علَّم الأعجاز تَستعجزُ النّقا ... وهذى الثنايا الزُّهْر تَسطو على الدُّرّ
شُموسٌ أبت إلا الشِّماس سجّييةً ... وأقمارُ حسن في الهوى قَمَرتْ صَبْري
تذكّرتُ، والتّذكارُ من مَرَ الأسى ... ليَالينَا بين الرُّصَافِة والجسر
لياليَ لا دَمعي يُبدَّد بالَّنأْي ... ولا سِنَتَي مما تُرَوَّع بالهجر
ومنها في صفة القصيدة:
ودونكَما غرَّاءَ قامت لخاطري ... وإن لم تَلُمْه حين قَصَّر بالعُذر
خَفَضْتُ بها الأشعارَ حتَّى كأنها ... وإن رفَعتني الآن من أحرُف الجرّ
قال ذو النسبين، رضي الله عنه: وذهذ الرائية من شعره عند العلماء بنقد الشعر وسره، أحسن من رائية علي بن الجهم التي أولها:
عيون المها بين الرُّصافة والجسر ... جَلَبْن الهوى من حيثُ أدري ولا أدري
ومن أسماء بقر الوحش: الأَي مثل الفتى، والأنثى، لاة، مثل شاة، وتسمى المهاة أيضاً، والجمع: المها، والعيناء؛ والجمع: عين.
ومما يمازح برقته النسيم امتزاج الماء بالراح، ويدخل من أبواب خروق المسامع على القلوب بلا استئذان فترتاح به الأرواح، قول هذا الشاعر من أبيات:
خطرتُ على وادي العُذيب بأدمُعي ... فما جُزته إلا وأكَثُرُه دُم
وقد شَرِبَتْ منه كرامُ جيادنا ... فكادَت بأسرارِ الهَوى تَتكّلم
سرى البرقُ من نَعمانَ يُخبر أنّه ... سيَشْقى بكم من كان بالأمس يَنْعَم
رحلتم، فهذا الليلُ فيكم فلم يعد ... إلىَّ سواه فيكُم إذ رحلتم
وما أنا صَبٌّ النّجوم وإنّما ... تُخَيِّلُ لي الآفاق أنكُم هم
لقد أحسن ما شاء، غير أن قوله: " خطرت على وادي العذيب..... " مأخوذ من قول الشاعر، وهو مهيار:
عَبَرْت على الوادي فحَّرمت ماءه ... وكيف يحلّ الماءُ أكثره دَمُ
عبرت: أي أسلت عبرتي فيه، فوري. والمحفوظ عند أهل اللغة: استعبر الرجل، إذا بكى، والذي رويناه في شعر مهيار " بكيت " والمليح البديع من هذه القطعة قوله:
سَرى البرقُ من نَعمان يُخبر أنّه ... سَيشفى بكم من كان بالأمس يَنْعَم
فيه من صنعة البديع المقابلة، وهي مقابلة " سيشفى " " بينعم ". ومن مليحها قوله:
رحلتم فذها اللّيل فيكُم فلم يعد ... إلىّ سِواهُ فيكُم إذ رحلّتُمُ
وهو من أبيات المعاني التي يسأل عنها، ويفهم معناه من قوله: " فلم يعد إلى سواه "، لأنه لا يعود سوى الليل الماضي، وهو الليل المستقبل، إلا بعد صبح يفصل بينهما، ولا فاصل عنده بعد فرقة أحبابه؛ لأن الأيام جميعها عنده صارت مظلمة لبعد أحبابه؛ فما دامت الفرقة مستمرة، كانت الظلمة مستقرة.
ومن بدائع هذا الشاعر قوله:
سلَّم إذ مرَّ ولي هَّمةٌ ... تَسْتَنْزل الأقمارَ والأنجمَا
تَظْمَا ولا تَروي ولو أنني ... ألثمتها وجْنَتَه والفَما
فقلت للنّفس وقد أزْمعت ... أن ترد السُّلوان خوف الظَّما
هذا كثيرٌ فأشكري وأحمَدي ... فكيف لو مَرَّ وما سلَّما