المطرب من أشعار أهل المغرب

المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٣١

فإذَا بدا وإذا مشى ... وإذا رَنا وإذا نَطَق
شَغَل الجوانَح والجوا ... رحَ والخواطرَ والحدَق
فقال، وقد اعجب بها جدا: احسن ما في القطعة حسن سياقة الإعداد. فقلت له: هي حسنة، ولكنها دون موقعها منك. وإلا الست تراه قد استرسل فلم يقابل بين ألفاظ البيت الأخير والبيت الذي قبله، فينزل بإزاء كل واحد منها ما يلائمها. وهل يحسن أن ينزل بإزاء قوله: " وإذا نطق ": قوله: " شغل الحدق ". وكأنه نازعني القول في هذا. فقلت هذه القطعة المتقدمة انسج على ذلك المنوال. قال: فاستحسنها ابن أبي تليد.
قلت: هذا تعسف. ولم يرد ابن رشيق مقابلة الأعداد بعضها ببعض، وإنما أراد أن جملة محاسن هذا النير الزاهر، شغلت جملة هذا المتأمل الناظر. وقد عارضه الخفاجي في هذا الروي:
يا شَفَقًا ساطعاً على فَلَقْ ... يا ذَهباً سائلاً على وَرِقْ
ما الحُسن إلا مُعصفَرُ شَرِق ... فاض على جسمٍ أبيضِ يَقَقْ
قد نَصب الحُسنُ وجْهَه غَرضاً ... تَرشُقُه اسهٌم من الحَدَقْ
أبْيَضَّ واخضرَّ شطُر عارِضه ... فاقترن النَّوْر منه بالوَرَق
أنشدني الفقيه الأجل القاضي بمدينة شقر أبو يوسف يعقوب بن محمد بن خلف ابن يونس بن طلحة للخفاجي:
كتبتُ وقلبي في يديك أسيرُ ... يُقيم كما شَاء الهوَى وأسيرُ
ولي كَّل حينٍ من هواكِ وأدمعي ... بكل مكانٍ روضةٌ وغدير
وله:
كتاُبنَا ولدينا البدرُ نَدْمانُ ... وعندنا لكُئوس الرَّاح شُهْبانُ
والقُضْبُ مائسةٌ والطير ساجعة ... والأرض كاسِية والجوُّ عُريان
وله:
رب طِرْفٍ كالطَّرْفِ سُرعَة عَدْوٍ ... لَيس يَسري سُراهُ طيفُ الخَيَالِ
إن سَرى في الدُّجى فبعضُ الدَّراري ... أو سَعى في الفَلا فإحدى السَّعالي
لستُ ادري إن قِيد ليلة أسْرِى ... أو تَمطَّيته غداةَ قِتال
أجَنُوبٌ مَقُودةٌ من جَنِيب ... أو شَمَال موضوعةٌ في شمالي
جَال في أنْجُم من الحَلْيِ بِيضٍ ... وقَميِص من الصَّباح مُذال
أشهبُ اللّون أثقلتْه حُلِيٌّ ... خَبَّ فيهنّ وهو مُلْقى الجِلاَل
فبدَا الصُّبحُ مُلجَماً بالثُّرياّ ... وجَرى البرقُ مُسْرَجاً بالهلال
قال ذو النسبين، رضي الله عنه: وقد اخذ هذا المعنى بعض أهل عصره، يقال: هو أبو الصلت، فقال وزاد فيه معنى من معنى البديع، وهو التشكيل، فقال:
وأشهبٍ كالشهابِ وافَي ... يَجُول في مُذَهب الجِلاَ
قال حَسُودي وقد رآه ... يُجْنَب خَلْفي إلى القِتَال
من ألْجَمَ الصُّبْح بالثريا ... وأسْرَج البرق بالهلال
وقال الوزير أبو إسحاق بن خفاجة في قوس:
عَوْجاءُ تُعطَف ثم تُرسَل تارةً ... فكأنما هي حَيّةٌ تَنسابُ
وإذا أنْحَنَتْ والسَّهْمُ منها خارجٌ ... فَهْيَ الهِلاُل انقضَّ منه شهاب
وله:
وعسَى الليالِي أن تَمُنَّ بنَظْمنا ... عِقْداً كما كنا عليه وأفْضَلا
فلربمّا نُثِرَ الجُمَانُ تعمُّداً ... ليُعادَ أحسنَ في النِّظام وأجملاَ
وهذا مأخوذ من قول مهيار:
عسى الله يجعلُها فُرْقَةً ... تعودُ بأكرم مُستجَمعِ
وله:
حيَّا بِها ونَسيمُها كَنسيمِه ... فشَرِبْتُها من كفّه في وُدِه
مُنساغَةً فكأَنها من رِيقه ... مُحمرَّة فكأَنها من خَدِّه
وأنشدني الفقيه القاضي الفاضل أبو يوسف يعقوب بن محمد بن طلحة قال: أنشدني الوزير أبو إسحاق الخفاجي لنفسه في النيلوفر:
ونِيلُوفَرٍ لم يَدْرِ ما مَسُّ حُرْقةٍ ... بُحبٍّ ولا مَا لوعةٌ وغرامُ
يَهُبّ مع الإصباحِ من سِنةِ الكَرَى ... ويُطْبِق ليلاً جَفنَه فَيَنامُ
وأنشدني له أيضا، يحمل على طلب العلم والتحلي به:
عشْ طالباً أو عَليماً ... فالجهلُ عينُ المَحَّطهْ