المطرب من أشعار أهل المغرب

المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٥٠

وقبلُ جَرَتْ عن بعض كُتْبَي جَفوةٌ ... ألحتَّ على وجهْي بغَمْز الحواجب
وما كنتُ مُرتاداً ولكن لنُفْحة ... تعَّودتُ من رَيحان تلك الضَّرائب
سلكتُ سَبِيلي للزّيارة إثرها ... فقابلتُ دَفْعاً في صُدور الرّكائب
ولو لمعتْ لي من سمائك بضرْقةٌ ... ركبتُ إلى مَغْناكَ هُوجَ السّحائِب
فقبَّلتُ من يُمناك أعذبَ مَشْرَعٍ ... وقضَّيتُ من رُؤياك أوْكد واجب
وأبْتث خفيفَ الظَّهر إلا من النَّدى ... وخلفَّتَ للعَافي ثِقَالَ الحَقائب
سِواكَ يَعِي قولَ الوُشاة من العدَا ... وغيرُك يَقْضي بالظُّنون الكَواذب
واجتاز على أكرم أهل زمانه، واعلم وقته وأوانه؛ الوزير الكاتب السمي المراتب، أبي محمد بن القاسم الفهري؛ فما عرج عليه، فعاتبه الوزير أبو محمد على إساءته في ذلك غليه، فكتب إليه أبياتا أمر بعض خواصه أن ينثرها بين يديه:
لم يَثْنِ عنك عِنَاني سَلوْةٌ خَطَرت ... على فُؤادي ولا سَمْعي ولا بَصْرِي
وقَصْرُك البيتُ لو أنّي قَضيتُ به ... حَجِّي وكفُّك منهُ موضعُ الحجر
لكنْ عدتْنَي عنكُم خَجلةٌ سلَفَت ... كَفانِيَ القولُ فيها قولُ مُعتذِر:
" لو اختصرتُم من الإحسانُ زُرْتكُم ... والعذْبُ يُهجر للأفْراط في الخَصَر "
وشعره مدون كثير، وقد ذكرنا منه ما اقتضاه التخيير.

ذو الوزارتين ابن الحاج
أبو الحسن جعفر بن إبراهيم بن الحاج
عين مدينة لورقة وإنسانها، ومدرهها ولسانها؛ وكان أكرم من غمام، وأرسى حلماً من شمام؛ وله شعر أعذب من الجريال في صحن الخد، وأطيب من الوصال بعد الصد.
أنشدني الوزير الفقيه المحدث الكاتب، أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن عميرة، قراءة مني عليه سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، رحمه الله، قال: أنشدنا ذو الوزارتين أبو محمد قال: أنشدني أبي ذو الوزارتين أبو الحسن المذكور:
أزورَك مُشتاقاً وأرجع مُغرماً ... وأفتح باباً للصَّبابَة مُبْهَما
أمدَّعِيَ السُّقم الذي آد حَمْلُه ... عَزيزٌ علينا أن نَصحّ وتَسْقما
مَنَعْت مُحِباً منك أيسرَ لَحظة ... تَبْلُّ غَليلَ الشَّوق أو تَنقُع الظَّما
وما رَدَّ ذاك السِّجفُ حين رميتَه ... من القَلب سَهماً من هواك مُصمِّما
هَوًى لم تُمِنْ عينٌ عليه بنَظرةٍ ... ولم يكُ إلا سَمْعةً وتَوهُّما
ومُلتقطَاتٍ من حديث كأنما ... نَثرتَ به سِلْكَ الجُمان المنظَّما
دعوتُ إليك القلب بعد نُزوعه ... فأسرع لمَّا لم يجد متَلوَّما
وله:
وبيضاءَ ينَبو الحَّظُ عند التقائها ... وهل تَستطيع العينُ تنظرُ في الشّمسِ
وَهَبْتُ لها نفساً علىَّ كريمةٌ ... وقد عَلِمتْ أنَّ الضَّنَانة بالنَّفس
أعالجُ منها السُّخطَ في حالةِ الرّضى ... ولا أعدَم الإيحاش في ساعة الأنس
وله وقد أهدى تفاحا
بعثتُ بها ولا آلُوك حَمْداً ... هديةَ ذِي اصطناع واعْتِلاَقِ
خدودَ أحبْة وافَيْنَ صَبًّا ... وعُدْنَ على ارتماضٍ واحتراقِ
فحمَّر بعضَها خَجَلُ التَّلاقِي ... وصَفَّر بعضَها وَجَلُ الفِرَاق
وله في زرزور:
يا رُبَّ أعجَم صامتٍ لَقَّنْتُه ... طَرَفَ الحديثِ فصَار أفصحَ نَاطِقِ
جَوْنِ الإهابِ أعِيرَ فُوه صُفْرةً ... كاللَّيل طَرَّزه وَميضُ البارق
حِكَمٌ من التَّدبير أعجزَتِ الوَرى ... ورَأى يها المَخلوقُ لُطْفض الخالق