المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٣٣
ثَبتّ به ثَباتَ القُطْب لمّا ... أدَار رَحاه خَطْبٌ لا يُرام
ومنها:
مضَوْا في أمرِهم سَحَراً ودارتْ ... بما عَقدُوا من الحَلفِ المُدامُ
فردّوها عَلَى الشَّفرات بيضاً ... وجدَّدَ في تعاطيها النِّدام
وما أخذتهمُ الأسياف لكن ... صواعقُ لا يبوخُ لها ضِرام
باخ الحر، إذا سكن، يبوخ بالخاء المعجمة. وباخت النار والحرب، إذا سكنتا.
إذا ما برقةٌ برقَت عليهم ... فإنّ القَطْر أعضادٌ وهاُم
ومنها يصف انهزام أذفونش تحت الظلام بجيشه منهم، وإلقاء الدروع عنه وعنهم:
ستسألك النّساءُ ولا رجالٌ ... فحدِّث ما وراءَكَ يا عصامُ
وراقبها بأرِضك طالعاتٍ ... كما تُهدِي صَواعقَها الغمامُ
ومنها:
فإن شئتَ اللُّجينَ فَّثم " ساُم " ... وإن شئت النظار فثَّم " حاُم "
ومنها:
نضَا أدراعَه واجْتَابَ ليلاً ... يودّ لو انه في الطُّول عاُم
وله يتشوق إلى ابن عباد، وقد حضر بالمرية في بعض الأعياد، والشعراء ينشدون المعتصم بالله أبا يحيى محمد بن معن بن صمادح سلطان تلك البلاد:
دنا العيد لو تَدْنو به كعبةُ المُنى ... ورُكْنُ المَعالي من ذُؤابة يَعُرب
فيا ويلتَا للشعر تُرمي جماره ... ويا بُعد ما بيني وبين المُحصَّبِ
وكان عبد الجليل منطقاً بما يقول، يجري على لسانه المقول. حدثنا غير واحد من شيوخنا رحمهم الله، منهم سلطان بلنسية أبو عبد الملك بن عبد العزيز، والوزير الكاتب أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن عميرة، والفقيه القاضي بجزيرة شقر أبو يوسف يعقوب بن طلحة، قالوا: حدثنا الوزير أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة قال: لقيت الشاعر أبا محمد عبد الجليل بين لورقة والمرية، فبتنا نتناشد الأشعار، ونتذاكر الآداب والأخبار؛ فلما انفجر عمود الصباح، وحيعل داعي الفلاح؛ وكان العدو على مقربة من البلاد، والناس في ضروب من الخوف والأنكاد؛ سرنا وفؤاد عبد الجليل يطير فرقاً، وفرائصه ترعد قلقاً؛ فأخذت أسكن روعه بأناشيد من القريض، وهو لما داخله من الوجل كالمدنف المريض؛ لا يبدي ولا يعيد، إلى أن اطلعت لنا اليد؛ مشهدين وعليهما رأسان يخاطبان، من الحال بأفصح لسان؛ فقلت مرتجلا، والركب يجد السير من الفزع عجلا:
ألا رُبَّ رأسٍ لا تَزاورَ بينه ... وبين أخيه والمَزارُ قَريبُ
أنافَ به صَلْدُ الصَّفا فهو مِنْبٌر ... وقام على أعلاه وهو خَطيب ُ
فثاب لعبد الجليل عقله، وآب إليه ذكاؤه ونبله، فقال:
يقول حِذاراً لا اغتراراً فطالما ... أناخَ قتيلٌ بي ومرَّ سَليبُ
ويُنشدنا: إنَّا غريبان هَاهنا ... وكلُّ غَريبٍ للغريب نسيبُ
فإنْ لم يَزْره صاحبٌ أو خَليلُه ... فقد زاره نَسْرٌ هناك وذِيب
فها هو: أمَّا منظرا فهو ضاحك ... إليك وأما نَصْبةً فكَئِيب
يريد بقوله " أما منظرا فهو ضاحك " أن ذلك الرأس قد ذهبت عنه جلدته بطول بلاه، فهو بحسب مرآه كأنه ضاحك، وبحسب معناه كأنه كئيب. ولم يذكر " الفتح " منها في " قلائده " لعبد الجليل سوى بيت، هو قوله:
يقول حِذَاراً لا اغتراراً فطالَما ... أناخ قتيلُ بي ومَرّ سَلِيبُ
وانه قتل من ساعته كما ذكرناه، والله الموفق لا رب سواه؛ فما أتم قوله إلا وعجاجة قد ارتفعت، وكتيبة قد طلعت؛ فما انجلت إلا وعبد الجليل قتيل وأنا سليب، وهذا فأل عجيب، وافقه قدر مصيب.
قال ذو النسبين، رضى الله عنه: ومن شعراء الأندلس الذين أنجدت بأقوالهم الحداة واتهمت، واعرقت بها الرواة وأشأمت، الأديب:
أبو جعفر أحمد بن محمد البتي