المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٦٧
فامنُنْ بعفْوٍ وجُد برُحْمَي ... إليكَ يا ربّيَ المَصِير
وكان مقامه بالحضرة نحواً من ثلاثة أعوام، كلها أضغاث أحلام، سألته عن مولده، فأخبرني انه ولد سنة ثمان وخمسمائة، وتوفي رحمه الله بحضرة مراكش يوم الخميس، ودفن ظهره، وهو اليوم السادس والعشرون من شعبان عام أحد وثمانين وخمسمائة. قرأت عليه وسمعت كثيرا من أماليه التي أملاها في معاني الكتاب العزيز وأنواره، ودقائق النحو وأسراره، وغوامض علم الأصول وأغواره. وأنشدني رحمه الله، وذكر لي انه ما سأل الله بها حاجة إلا أعطاه إياها، وكذلك من استعمل إنشادها:
يا من يَرى ما في الضمير ويسمَعُ ... أنت المُعّدُّ لكل ما يتُوقَّعُ
يا من يُرجَّى للشدائِد كلَّها ... يا مَن إليه المُشتكَى والمَفزَعُ
يا من خزائنُ رِزْقه في قولِ كُن ... امنُنْ فإن الخيرَ عندك اجمع
ما لي سِوَى فقرِي إليك وسيلةٌ ... فبالافتقارِ إليك فَقْرِي أدفع
ما لي سوى قَرْعِي لبابِك حِيلةٌ ... فلئنْ رَدَدْتَ فأيَّ بابٍ أقرع
ومَن الذي أدعُو وأهْتِف باسمه ... إن كان فَضْلُكَ عن فقيرٍ يُمنع
حاشا لمجِدك أن تُقنَّط عاصياً ... الفَضْلُ أجزلُ والمَواهبُ أوسع
أما رفع " أجمع " في هذا البيت، فيجوز أن يكون توكيدا لمكان " إنّ " الابتدائية، إذ موضعها الابتداء، وهي مؤكدة للجملة، لم تغير معناها وإن غيرت لفظها. ألا تراهم قد عطفو على اسمها بالرفع، وهو إذا استوفت خبراها، نحو: إن زيداً قائم وعمرو، وإذا لم تستوف خبرها فلا يجيز البصريون ذلك. وذلك انك إذا قلت: إنك وزيد قائمان، وجب أن يكون " زيد " مرفوعا بالابتداء، ويكون عاملا في خبر زيد، وإنّ عاملة في خبر الكاف. ولا يجوز اجتماع عاملين على معمول واحد. وأما الكوفيون فاختلفوا، فذهب الكسائي إلى جواز ذلك مطلقا، سواء تبين عمل " إنَّ " أو لم يتبين، نحو: إن زيداً وعمرو قائمان، وإنه وبكر منطلقان. واستدل بقوله جل وعلا: (إِنَّ الَّذِين آمَنُوا والَّذِينَ هَادُوا والصَّابِئُون) فعطف ورفع. وذهب الفراء إلى انه لا يجوز العطف إلا على ما لا يبين فيه العمل، نحو: إنك وزيد ذاهبان، لأنه بعدم التأثير ضعفت، فجاز العطف كما لو كان على المبتدأ. وإذا كان كذلك جاز أيضا توكيد الموضع بالرفع، والله اعلم.
وأنشدني أيضا يخاطب شيخنا المحدث الفقيه اللغوي النحوي الأصولي أبا إسحاق إبراهيم بن يوسف، يعرف بابن قرقول، أيام كونه بمدينة سبتة، فلما رحل منها إلى سلا، قال مرتجلا:
ألاَ فسَلاَ عَّمن عَهِدْتُ تَحفّياً ... وهل نافِعي إن قُلت من لوَعة سَلاَ
سَلا عن سَلا إن المَعارف والنُّهي ... بها فَدعا أمَّ الرَّبابِ ومَأسَلاَ
بَكَيتُ أسًى أزمانَ كان بسَبتةٍ ... فكيف التَأسِّي حين منزلُه سَلا
وقال أناسٌ إنّ في البُعد سَلْوةً ... وقد طال هذا البُعدُ والقَلبُ ماسلا
فليتَ أبا إسحاق إذ شَّطتِ النَّوى ... تَحيّتَه الحُسْنى مع الريح أرسلا
فعادت دَبُور الرِّيح عنديَ كالصَّبا ... لَدَى عُمَرٍ إذ أمرُ زَيْدٍ تَبَسَّلا
هذا البيت حكاية لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع أخيه الشهيد المهاجر، وكان أسن من أخيه وأسلم قبله، وشهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قتل يوم اليمامة شهيدا.
فقد كان يُهديني الحديثَ مُوصَّلا ... فأصبح مَوْصولُ الأحاديثُ مُرْسَلا
وقد كان يَحْيَا العِلْم إذ كان عندنا ... أوانَ دنَا فالآن بالنأي كَسَّلا
فلله أمٌ بالمريَّة أنجبَتْ ... به وأبٌ ماذا من الخَير أنْسلا
وإني إلى تلك المَوارِد عاطِشٌ ... وإن ألبنَ القلبُ المشَوقُ وأعْسَلا
أقمتُ بَشْرقٍ والأمانِي بمَغِربٍ ... فأصبحتُ في كف الصَّبابة مُنْسِلا
فلو كنتُ من قَيْد الحوادِث مُطْلَقا ... شَدَدْتُ له كُوراً وأنْضيتُ عَنْسلا