المطرب من أشعار أهل المغرب

المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٦٦

أبو زيد عبد الرحمن بن عبد الله بن احمد بن أبي الحسن، واسمه: أصبغ بن حسين بن سعدون بن رضوان بن فتوح، وهو الداخل للأندلس. هكذا أملي على نسبه، وقال: إنه من ولد أبي رويحة الخثعمي الذي عقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء عام الفتح، ذكره أهل السير. نشأ بمالقة، وبها تعرف، وفي أكنافها تصرف؛ حتى بزغت في البلاغة شمسه، ونزعت به إلى مطامح الهمم نفسه. أخبرني انه قرأ القرآن العظيم جمعاً وإفراداً على المقرئ الشهير أبي علي الحسين بن منصور بن الأحدب، رحمه الله، ثم قراه أيضا بالمقرأين: مقرأ نافع، وابن كثير، على الأستاذ المقرئ أبي الحسن علي بن عيسى المروي، نزيل مالقة. وقرأ الكتاب العزيز أيضا بالمقارئ الأربعة، وشيئا من العربية على المقرئ النحوي الزاهد الضرير أبي مروان عبد الملك بن مجير، وسمع على الإمام أبي عبد الله محمد بن معمر. وسمع كتاب الهداية لأبي العباس المهدوي على الشيخ الفقيه الأستاذ النحوي أبي عبد الله محمد بن سليمان، يعرف بابن أخت غانم. وقرأ الموطأ تفقها وعرضا، ومنتخب الأحكام لابن أبي زمنين على الفقيه المحدث أبي محمد عبد الرشيد المالقي. وسمع الموطأ على خال أبيه الفقيه المحدث الخطيب الظاهري أبي الحسن علي بن عياش. توفي بصحراء قديد راجعاً من زيارة قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم. وقرأ النحو على الأستاذ أبي الحسين سليمان بن الطراوة الشيباني، فلما مات قرأ على الأستاذ النحوي الفقيه أبي محمد القاسم بن دحمان. ورحل إلى قرطبة، فقرأ القرآن العظيم بالمقارئ السبعة. على المقرئ أبي داود سليمان بن يحيى بمسجده بباب الجوز، وقال لي عنه: كان يحمل أبي رحمهما الله. ثم قرأ الكتاب العزيز بالمقارئ الثلاثة بجامع قرطبة على المقرئ بها، الخطيب بجامعها؛ أبي القاسم عبد الرحمن ابن رضا، وسمع على الفقيه الحافظ أبي عبد الله محمد بن نجاح الذهبي القرطبي، وعلى الوزير الأديب أبي عبد الله جعفر بن محمد بن مكي. ثم رحل إلى إشبيلية، فلزم القاضي الإمام أبا بكر بن العربي فأخذ عنه كثيرا من الحديث والأصول والتفسير، ثم سمع على المحدث الجليل أبي بكر محمد بن طاهر القيسي الإشبيلي جملة من الحديث، وسمع على القاضي أبي الحسن شريح بن محمد، ولزم الأستاذ الماهر النحوي أبا القاسم بن الرماك فلقن عنه فوائد في النحو. وكان لقي قبله الأستاذ الإمام النحوي الزاهد، أبا القاسم بن الأبرش، فلقن عنه فوائد في النحو. وأجاز له المحدث الراحل إلى مدينة السلام أبو الحسن عباد بن سرحان والقاضي الإمام العالم الأوحد أبو القاسم بن ورد، إلى جماعة من العلماء والنحاة والأدباء رحمهم الله جميعهم، وجعل الرحم خدينهم وكميعهم؛ وكان رحمه الله أقام للتصريف وعلل النحو برهانا، وتيم ألبابا وأذهانا؛ فترشف من ماء العربية أتى مزنه، وتوطأ من أكنافها كل سهله وحزنه؛ وأفاض على الطلبة من سجله، وجلب على النحاة بخيله ورجله؛ وتلقى الراية باليمين، وحوى الغاية بالهزيل والسمين؛ وكان ببلده يتسوغ بالعفاف، ويتبلغ بالكفاف؛ إلى أن وصلت إليه، وصحح " الروض الأنف " بين يديه فطلعت به إلى حضرة مراكش فأوقفت الحضرة عليه؛ فأمروا بوصوله إلى حضرتهم، وبذلوا له من مراكبهم وخيلهم ونعمتهم؛ وقوبل بمكارم الأخلاق، وأزال الله عنه علام الإملاق؛ واستقبل بالجاه الجسيم، والوجه الوسيم؛ وفي كل يوم يجنيهم من حديثه أزهارا، ويقطفهم من ملحه آسا وبهارا؛ حتى حسده الطلبة وجردوا لملامه حساما، وحددوا للكلام فصولا وأقساما؛ وكان وصوله إلى الحضرة والعمر قد عسا وذبل عوده. وذهب العيش وأفل سعوده؛ فعندما عاش مات، وهيهات من الانقطاع لغير الله هيهات؛ فتفرد في لحده ومهاده، وتوحد في نجده ووهاده؛ وتوسد التراب والصفيح، وتوهد اليباب والفيح، ولسان حاله ينشد ما أنشدنيه غير واحد، منهم شيخنا الإمام المقرئ النحوي الزاهد: أبو القاسم عبد الرحمن ابن غالب بن الشراط، قالوا: أنشدنا الأستاذ اللغوي النحوي أديب أهل زمانه، أبو طاهر محمد بن يوسف التميمي:
هأنذا في التّراب وَحّدِي ... فلا ظَهِيٌر ولا نَصِيرُ
بالله هَبْ لي دُعاءَ صِدْقٍ ... يَسْمُو به باعِيَ القَصيرُ
أسرفتُ يا رَبّ في خطَايَا ... أنتَ بها عالمٌ بَصير