المطرب من أشعار أهل المغرب

المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٦٥

انْظر إلى البَدر الذي لاحَ لكْ ... في وسَطِ الُّلجَّة تحت الحَلَكْ
قد جَعلَ البحرَ سماءً له ... واتخذ الفُلكَ مكانَ الفَلكْ
وله أيضا وقد لسبت بعض سادات المغرب عقيرب، فقال وأجاد المقال:
هَجَر الشَّولَةَ قلبُ العقربِ ... وجَفاها بالمَكان الأقرب
ثم قالَت أنُجمُ الأفْق لها ... أنتِ منَّا كالبَعِيرِ الأجرب
لك أختٌ في الثَّرى قد لَسَبَت ... سيّداً من خَير أهل المغرب
فأجابتَهْا وقالت إنما ... غِرت من أخْمَصه إذ مرَّ بي
يَبتغي عند النُّعامَي مَورداً ... قَد دعاهُ منه عَذْبَ المشرب
فتغيّظتُ عليه غَيْرةً ... قلتُ للأخت بها ويكِ اضْربي
يا سَريِّا قد شكا أخْمصَه ... حُمَةً مسَّتْ نفوسَ العَرب
ليتها في مُقْلتي أو كَبدِي ... لَسَبَتْ إبرةُ تلك العقرب
تتمنّى النَّعْلُ لو سِيقت لها ... من قُرَى الطّائف أو من يَثرِب
قال علماء اللغة: لسبته العقرب ولسعته، والاختيار أن يقال لكل ما يضرب بفيه: لدغ؛ ولكل ضارب بمؤخره: لسع، ولكل قابض بأسنانه: نهش. يقال: نهشته الحية، بالشين؛ ونهسته، بالسين، ونكزته، ونشطته، ولسعته. فالنكز: بأنفها؛ والنشط: بأنيابها.
والرياح أربع من أربع نواحي العالم: الشمال بفتح الشين، وفيها ست لغات. ذكرها الإمام أبو بكر الأنباري في شرح المعلقات له: شمال، بإثبات الألف من غير همزة؛ وشمأل، بإثبات همزة بعد الميم؛ وشأمل، بإثبات همزة قبل الميم؛ وشمل، بفتح الشين والميم من غير إثبات ألف ولا همزة؛ وشمل، بفتح الشين وإسكان الميم، وشمول، بإثبات الواو. وقد احتج ابن الأنباري لها بشواهد كثيرة. وهي التي تجري على يمينك إذا استقبلت قبلة العراق، وهي في الصيف حارة، واسمها البارح، والجمع البوارح؛ والجنوب تقابلها. والصبا من مطلع الشمس، وهي القبول؛ والدبور تقابلها، وهي التي تهب من دبر الكعبة، وفيها خشونة وشدة، وهي تمحو السحاب وتثير العجاج. ويقال للصبا: أَيْرٌ، وهَيْرٌ، وأَيِّرٌ، وهَيِّرٌ، على مثال فيعل. ويقال للشمال: مَحْوة، غير مصروفة؛ وللجنوب: النُّعَامي والأزيب. شملت الريح، إذا صارت شمالا؛ ودبرت، إذا صادت دبورا؛ وجنبت، إذا صارت جنوبا؛ وصبت، إذا صارت صبا؛ كل ذلك بغير ألف. ويقال: أشمل القوم، وأجنبوا. وأصبوا، إذا دخلوا في الشمال والجنوب والصبا.
فالشمال، هي الريح الشامية. والجنوب، هي الريح اليمانية، وتسمى النعامي والأزيب، كما قدمناه. وهي تهب من ناحية سهيل. والصبا: هي الريح الشرقية. ويقال لها: القبول، تهب من مطلع الشمس. والدبور: هي الريح الغربية، يابسة جافية، ليس فيها ندوة. وأفضل هذه الرياح في جميع الأزمان ريح الصبا، لها نسيم وروح، وتشويق إلى الأحباب والأوطان، وجلاء للهموم والأحزان، وبها نصر الله العظيم سيد أهل الإيمان. ثبت باتفاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور ". وقال امرؤ القيس:
إذا قَامتَا تَضَوَّع المسكُ منهما ... نَسِيمَ الصَّبا جاءَتْ بريَّا القَرنْفُلِ
تضوع، أي فاح متفرقا. ونسيم الصبا: تنسمها وهبوبها بضعف. وريا القرنفل: رائحته. ونصب " نسيم الصبا " لأنه قام مقام نعت لمصدر محذوف، والتقدير: إذا قامتا تضوع المسك منهما تضوعاً مثل تَضَوٌّعِ نسيم الصبا. و " منهما " يعود على أم الحويرث، وقال الشاعر:
ألا يا صَبَا نَجْدٍ متى هِجْت من نَجد ... فقد زَادَنِي مَسراك وجداً على وجْد
وقال الآخر، وهو المجنون:
أيا جَبلي نَعمان بالله خّلِيَا ... سَبيل الصَّبا يَحْلُص إلىّ نسيمُها
فإن الصّبا ريحٌ إذا ما تنسَّمت ... على نفِس مَحزوِن تجلَّت هُمومها
أجِدْ بَرْدَها أو تَشْف مني حرارةً ... على كَبِد لم يَبْق إلا صَمِيمها
الأستاذ المحدث الفقيه النحوي الأصولي: أبو القاسم السهيلي