المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٦٣
ذَكر العهدَ والدّيارَ غريبُ ... فجرَى دمعُه ولجَّ النَّحيبُ
إذ صفاءُ الوِداد غيرُ مَشُوب ... بتَجنٍّ، وودُّنا مَشْبوب
وإذِ الدهر دّهْرُنا وإذا الدا ... رُ قريب وإذ يقول الرَّقيب
وقِيَان الأوتار تُسدها الأطْ ... يار والروض زاهرٌ مَهضْوُب
ووِشَاحِي مَعاصمٌ لوِت الشَّو ... ق علينا وظاهرتُها القلوب
وفِراشي بَطْنٌ وصَدْر ونَهْدٌ ... وعليها مِنِّي رَفيقٌ طبيب
واللَّما والرُّضابُ كأسي وخَمْري ... حّبَذا الكأسُ حّبَذا المَشْروب
وحِمَى الأزْر لِي مُبَاحٌ وحُكْمِي ... نافِذٌ فيه والفعالُ ضُروب
وإذا ما الحِمَى أغارَ عليه ... حاذقُ الطَّعن فالحِمَى مْنهُوبُ
أسألُ الله عَفْوَهُ فلئن سا ... ءَ مقالي لقد تَعفُّ الغُيوب
قد ينال الفَتى الصغائر طرفا ... لا سواها وللذُّنُوب ذَنُوب
وأخو الشِّعر لا جُناح عليه ... وسَواءُ صَدُوقه والكَذوب
وأنشدني، وكتبته من خطه، يخاطب امرأة:
يا نُورَ نَفْسِيَ حقُّ الضَّيف مُفترضٌ ... وأنتِ من قَومِ صِدقٍ ظاهِري الكَرِم
مرّتْ ليالٍ علينا في جِواركُم ... ونحن في جَفوةٍ أفضتْ إلى سَقَم
إن قلت تُبتُ، فما كانتْ مُفاحشةٌ ... وإين منك مَقالُ الله في اللَّمَمِ
أو كان نُسكٌ فما ذو النُّسك في سَعةٍأن يَسْتحلَّ وقاكِ اللهُ سَفْكَ دَمي
وقد تكلمنا على هذه الأشعار، ومن انتقدها عليه من العلماء الكبار، واعتذرنا عنها أبلغ الاعتذار، وذلك في كتاب " وهج الجمر في تحريم الخمر ".
وشاهدناه في آخر عمره قد اتخذ المسجد الجامع داراً، والتفت إلى رواياته وتواليفه فروى صغاراً وكبارا. قرأت عليه كثيرا وسمعت، وأجاز لي ولأخي الحافظ أبي عمرو جميع رواياته ومجموعاته. وتوفي رحمه الله على أحسن حالاته ببلدة إشبيلية سنة ست وثمانين وخمسمائة، وله أربع وثمانون سنة. وخلف أموالا عظيمة، ز كتباً في كل فن كريمة؛ وكان له ولد يكنى أبا الحسين، وكان سخنة عين؛ فأساء ذكره، ولم يتبع حسنه، فأمر صاحب المغرب أن يصفد في الحديد، وأن يلقى في عنقه ما يتصل بحبل الوريد؛ وحمل إلى السجن الذي بباب حميدة، على حالة مذمومة بكل لسان غير حميدة؛ ثم احضر في موطن جرت العادة فيه بضرب رقاب أهل الظلم والعدوان، وهو يحجل في قيوده ويضطرب اضطراب الخيزران؛ ثم أمر بإطلاقه بعد هوان، وخوف غلب على أمان. ثم أمر بإحضار كتبه وهي التي ورثها من أبيه، وكانت تقاوم مالاً جسيما وتساويه، في كل صنف تشتمل عليه من الرأي وفيه؛ فأوردت النار وبئس الورد المورود، فأحرقت فسمع للنار تسعسع ورئي لهما وقود، واحترق الكاغد وانزوت الجلود، وذلك يوم يؤرخ به مشهود.
أنشدني الفقيه أبو عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون، قال: أنشدنا الفقيه المفتي أبو عمران موسى بن عبد الرحمن بن أبي تليد شيخنا لنفسه:
حَالِي مع الدَّهر في تَقلُّبه ... كطائرٍ ضَمَّ رجلهَ شَرَكُ
فهمُّه في فَكاك مُهْجِته ... يَرُوم تَحْليصَها فتَشْتبكُ
وأصل " اللمم " في اللغة: الهم بالخطيئة من جهة مقاربتها، وحديث النفس بها من غير مواقعتها.
ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عباس قال: ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمني وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه.
ولها طرق في الصحيحين، منها: كتب الله على ابن آدم حظه من الزنا، فأخبر صلى الله عليه وسلم أن العين نظرها زنا إذا نظرت إلى من لا يحل لها النظر إليه من النساء، وأنها توصل ذلك إلى النفس، فتتمنى النفس وتشتهي ما رأت العين، فيكون داعياً إلى الفرج الذي هو يكذب الفعل أو يصدقه. وقد تكلمنا عليه في المجلدة الخامسة من كتاب العلم المشهور، في فوائد فضل الأيام والشهور ".