المطرب من أشعار أهل المغرب

المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٦٢

لقيته بمدينة مالقة فسمعت عليه وأجاز لي ولأخي الحافظ أبي عمرو بخطه. واخبرني أن مولده سنة خمس وثمانين وأربعمائة ببلنسية، عام حصار القنبيطور لها. وتوفي رضي الله عنه بمالقة وله اثنتان وتسعون سنة، يوم الاثنين بعد صلاة العصر، وهو الثاني من ذي القعدة، وآخر يوم من آذار، سنة خمس وسبعين وخمسمائة. ودفن يوم الثلاثاء بعد صلاة العصر بمقربة من الشريعة بخارج مالقة. وصلى عليه على شفير قبره أخوه الفقيه أبو عبد الله محمد، وكان رحمه الله إمام أهل زمانه في الحرف والفعل والاسم، والحد والرسم، والتنكير والتعريف، والصرف والتصريف. ويذهب كل مذهب في التعليل. ويفضل رأي عمر وأبي بشر، والخليل. وإذا وقع في وادي الشعر والقريض، فذو لسان طويل وباع عريض. ثم رأى أن الحديث والفقه ثمرة المعارف، وعارفة العوارف؛ فأكثر منهما وأفرط، واستقصر نفسه عن اشتغاله بغيرهما وفرط؛ مع أنه لم تعرف له قط في شبيبته صبوة، ولا اتخذ أهلاً ولا سمعت عنه هفوة. وانفرد في آخر عمره لإقراء القرآن والقيام به، واجتهد في العبادة، ليله راكعا وساجدا. وسأل الله الكريم في جنح الظلام متهجدا لا هاجدا؛ إلى أن مات على أحسن أحواله، مقدما لصالح أعماله. وهو شيخ شيخنا الأستاذ النحوي، أبي القاسم السهيلي؛ قرأ كتاب سيبويه قراءة تفقه وإتقان، وبحث وبيان؛ على نحوي أهل زمانه، أبي الحسين بن الطراوة، واختص به. ولقي الخطيب المصقع أبا الفتح سعدون بن مسعود المرادي، فروى عنه جميع رواياته وتواليفه؛ والأستاذ اللغوي النحوي أبا عبد الله محمد بن سليمان، المشتهر بابن أخت غانم؛ وقرأ القرآن العظيم على الأستاذ أبي علي المغراوي المتصدر بجامع مالقة. روى بها عن أبى معشر الطبري؛ ولقي الفقيه أبا عبد الله أبي الأديب، والقاضي المتقن أبا محمد التوحيدي. وأجاز له الأئمة العلماء: أبو بحر سفيان بن العاصي، والقاضي الشهيد أبو عبد الله بن الحاج، والفقيه أبو الحسن بن مغيث، والإمام العالم أبو القاسم بن ورد، والعالم أبو جعفر بن باق السرقسطي، نزيل مدينة فاس، والأديب أبو عبد الله جعفر محمد بن مكي، والقاضي الأديب الكاتب الخطيب أبو الفضل جعفر بن محمد بن يوسف حفيد الأعلم النحوي، أبي الحجاج الشنتمري. وأنشدنا قال: أنشدنا الأستاذ اللغوي النحوي، أبو عبد الله محمد بن سليمان النفري، قال: أنشدني خالي اللغوي النحوي العالم الفقيه أبو غانم بن وليد القرشي المخزومي لنفسه:
صَيِّر فؤادك للمَحبوب مَنزلةً ... سَمُّ الخِيَاطِ مَجالٌ للحبَيْبينِ
ولا تُسامحُ بغَيضاً في مُعاشرةٍ ... فقلّما تَسعُ الدُّنيا بَغِيضَين
السم: ثقب الإبرة والفقيه أبو عبد الله محمد ن سعيد بن أحمد بن سعيد يعرف:

ابن زرقون
بتقديم الزاي المعجمة على الراء المهملة؛ من أهل إشبيلية؛ وقد تكلمنا على نسبه ولقبه في كتابنا المسمى بوهج الجمر في تحريم الخمر.
أجاز له الشيخ الفقيه أبو عبد الله أحمد بن محمد الخولاني برغبة أبيه سنة اثنتين وخمسمائة، وهو العام الذي ولد فيه أبو عبد الله، واستجاز أيضا له ولابنه أبي عبد الله القاضي بإشبيلية العالم أبا عبد الله محمد بن شبرين، والفقيه المفتي أبا محمد بن عتاب. ونقله أبوه إلى حضرة مراكش فلقي بها الفقيه الإمام أبا عمران موسى بن أبي تليد الشاطبي - إذ كان حمل إلى مراكش، وأخرج عن وطنه - فسمع عليه كتاب التقصي، فأكثر كتاب السنن لأبي داود، وأجاز له جميع ما رواه. ثم تجول بالأندلس ولزم الوزير الفقيه الكاتب أبا محمد بن عبدون وقرأ عليه كثيرا من روايته وتصانيفه ومنظومه ومنثوره، وكان أشعر أهل الأندلس واكتبهم. ولزم الوزير أبا محمد بن القبرطرنه وإخوته. ثم رجع من بطليوس إلى إشبيلية. فقرأ على القاضي الخطيب بجامعها، أستاذ المقرئين أبي الحسن شريح بن محمد الرعيني، وعلى الفقيه القاضي العالم اللغوي النحوي أبي محمد عبد الله ابن الوحيدي. ثم لزم القاضي أبا الفضل عياض بن موسى مدة مديدة، وأعواماً عديدة، وكان فقيه الدرس والنفس، وإن كان حكى عنه ابن خاقان في قلائده أنه كان يحضر مجالس الأنس. فالتوبة بإجماع محاءة للذنوب، مذهبة للمجون والعيوب. وقد استصلح في كبرته للقضاء وقضى، ولم يقض إلا وهو عدل رضى.
فمما أنشدنيه لنفسه، وكتبته من خطه: