المطرب من أشعار أهل المغرب

المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٥٧

بيت الفخار، ومنبت الفضل المشرق إشراق النهار؛ يعرف بابن نصف الربض، الراسخ في علم الجوهر والعرض. أنشدني له جماعة من أهل مدينة مالقة، منهم ولده الوزير الأديب، الفقيه الحكيم الأريب: أبو الحسين؛ والخطيب في مجالس الملوك، الناثر من فيه درر السلوك، صديقنا أصبغ بن أبي العباس:
أمُستنكَرٌ شَيبُ المَفارِق في الصِّبا ... وهل يُنْكَر النَّوْرُ المُفتَّح في غُصْنِ
أظُنّ طِلابَ المَجد شَيَّب مَفرقِي ... وإن كنتُ في إحدى وعشرين من سنّي
ومن شعراء الجزيرة صاحب الموشحات الشهيرة:

أبو بكر بن بقي
فمن شعره:
عاطيتُهُ واللّيلُ يَسْحبُ ذَيْلَه ... صَهْباءَ كالمسْك الفَتِيِق لناشِقِ
وضَممتُه ضَمَّ الكَمِيِّ لسَيْفه ... وذُؤَابَتاه حمائلٌ في عاتِقي
حتى إذا مالَت به سِنَةُ الكَرَى ... زَحْزحتُه رِفْقاً وكان مُعانِقي
باعَدتُه عن أضْلُع تَشْتَاقه ... كي لا يَنام على وِسَادٍ خَافق
ومنهم الفقيه الأصولي اللغوي النحوي:

العبدري
أبو بكر محمد بن عبد الله بن ميمون بن إدريس بن محمد بن عبد الله، سكن عدوة المغرب، وتصدر بمراكش لإقراء النحو والأدب. لقيته بها سنة خمس وستين، وقد شرح كتاب " الجمل "، وانفرد من الفضل بمفصله والجمل. وتوفي رحمه الله بحضرة مراكش يوم الثلاثاء الثامن عشر من جمادى الآخرة، ودفن ضحى يوم الأربعاء، سنة سبع ستين وخمسمائة. فمن شعره:
أبا قاسِمٍ والهوى جِنَّةٌ ... وها أنا من مَسّهِا لم أفقْ
تَقَحَّمْتُ جَاحِمَ نَار الضُّلوع ... كما خُضت بَحر دُموع الحَدق
أكنتُ الخليلَ أكنتُ الكليمَ ... أمنتُ الحريقَ أمنت الغَرقَ
ومنهم شاعر المغرب الأقصى، ومفخره في صناعة المحاكاة والتخييل؛ وإن كان له غلو في الأمداح، وإفراط في الاختراع والأقتداح؛ فربما ثنى عنانه إلى مدح اللطيف الخبير، وروى ظمأه ذلك العذب النمير، وهو:

ابن حيوس
أبو عبد الله محمد بن حسين بن عبد الله بن حبوس
بالباء بنقطة واحدة من أسفل، مولى بني أبي العافية، الذين ملكوا المغرب الأقصى، في أيام بني أمية الأندلسيين. وأصلهم من تازا، من أهل تسول، من بني مجدول، منهم. وتسول: كانت حاضرة ملكهم، ومنتظم سلكهم؛ فذهبت أيامهم، وتقلص إنعامهم، وتلك عادة الله، وسنته في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا.
وقد رفعت ديوان شعره للمقام المولوي السلطاني الملكي الكاملي الناصري، أدام الله إنعامه، ووالي له حسن الصنع وأدامه.
لقيته بحضرة مراكش، سنة أربع وستين وخمسمائة. ثم دخلت عنده في داره بمدينة فاس، بدرب السراجين منها، فأخذت عنه وسمعت منه. وأنشدني شيخي الفقيه الأستاذ اللغوي النحوي أبو العباس أحمد بن علي بن محمد الكناني - يعرف بابن سيد - من أهل إشبيلية؛ تصدر للإقراء بها، فطلع شمساً من جانبها؛ وكان من أهل البلاغة والشعر، والتقدم في النظم والنثر. ختم كتاب سيبويه مرتين على الأستاذ النحوي أبي القاسم بن الرماك بعد قراءته القرآن العظيم على القاضي أبي الحسن شريح بن محمد، والمجود الكبير أبي العباس أحمد بن عيشون، وأجاز له. وكذلك أجاز له جماعة من علماء قرطبة، منهم الفقيه أبو محمد بن عتاب، والعالم أبو بحر سفيان بن العاصي، والوزير أبو الوليد بن طريف وغيرهم، ولزم الوزير الأديب البليغ الأوحد أبا محمد ابن عبد الغفور. فقرأ عليه كثيراً. وأنشدنا له في صاحب إشبيلية وقد خرج إلى غزاة:
سِرْ حَلَّ حيثَ تحلُّه النُّوّار ... وأراد فيك مُرادَك الأقدارُ
وإذَا ارتحلتَ فشَيّعتْك غَمامةٌ ... أنّي حَلَلتْ ودِيمةٌ مِدْرَار
تَنْفِي الهَجِير بظّلِها وتُنِيمُ بالرَّ ... شِّ القَتامَ وكيف شِئْت تُدار
وقَضَى الإلُه بأنْ تَعود مُظفَّرا ... وقَضَيت بسَيْفك نَحْبَها الكُفّارُ
وقد أبدع في هذه الأبيات غاية الإبداع، وهي من ابلغ ما قيل في الوداع.
وأنشدني رحمه الله قال: أنشدني الوزير الشريف الحسيب النسيب أبو محمد عبد العزيز بن الحسن بن أبي البسام الحسيني، فريد عصره ووحيد دهره.