المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٥٦
تخَافُ زئيرَ الليثِ يَقْدُم نَثْرًه ... وبَرْبرَ في الظَّلماء ينِسفُها نَسْفا
كأنّ السّماكَين اللذين تظاهرا ... على لِبْدَتيه ضامِنان له حَتْفا
فذا رامٌح يُهْوى إليه سِنِانَه ... وذا أعزلٌ قد عَضَّ أنمُلهَ لَهفا
كأنَّ رقيبَ الليل أجَدُل مَرْقَبٍ ... يُقَلِّبُ تحت اللّيلِ في ريشه طرْفَا
كأن بني نَعْشٍ ونَعْشا مَطافلٌ ... بوَجرة قد أضلَلْن في مَهْمَه خَشْفا
كأنّ سُهيَلاً في مَطالع أفْقه ... مُفارقُ إلفٍ لم يَجِد بعدَه إلفْا
كأن سُهاهَا عاشِقٌ بين عُوَّدٍ ... فآونةُ يَبْدو وآونةُ يَخْفى
كأنّ مُعلَّى قُطْبها فارسُ له ... لِواءان مركُوزان قد كَره الزّحْفا
كأنّ قُدامَي النَّسْر والنَّسْرُ واقعٌ ... قُصصْنَ فلم تَسْمُ الخَوافِي به ضُعْفا
كأنّ أخاهُ حِين دوَّم طائراً ... أتَى دون نِصْف البدرِ فاختطف النِّصفا
كأنّ الهَزِيعَ الآبنُوسي لَوْنُه ... سَرَى بالنَّسيج الخُسْروانّي مُلتفّا
كأنّ ظلامَ اللّيل إذ مال مَيْلَةً ... صَريعُ مُدَام بات يَشْربها صِرْفا
كأنّ عَمُودَ الفَجْر خاقانُ مَعْشر ... من التُّرك نادىَ بالنجاشي فاسْتَخفى
كأنّ لِواء الشّمس غُرّةُ جَعفرٍ ... رأى القِرْن فازدادَت طَلاقَتُه ضِعْفا
وبقية شعر هذا الرجل قعاقع وجعاجع، وثالثة الأثافي والرسوم البلاقع.
والخسرواني: الحرير الرقيق الحسن في الصنعة، منسوب إلى خسرو، أحد ملوك الأكاسرة.
ومنهم الأديب، الشاعر الأريب:
أبو جعفر أحمد بن عبد الولي البتي
وبتة: قرية من قرى مدينة بلنسية. وكان كثير التصرف، مليح التظرف. أنشدني له غير واحد من أهل مدينة بلنسية:
غَصَبْت الثُّريّا في البِعادِ مكانَها ... وأودعت في عينَّي صَادِقَ نَوْئِها
وفي كُل حالٍ لم تزاليٍ بَخيلةً ... فكيفَ أعرتِ الشّمسَ حُلَّة ضوئِها
أحرقه القنبيطور - لعنه الله - في حين تغلبه على بلنسية وذلك في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.
والوزير الكاتب:
أبو الفضل بن حسداي
من بيت شرف اليهود بالأندلس، ذكر القاضي بطليطلة الفقيه المؤرخ المتقن أبو القاسم صاعد بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن صاعد في كتاب الطبقات له، أن ابن حسداى هذا من ولد موسى صلى الله على نبينا وعليه. جرى في ميدان البلاغة إلى أبعد أمد، وبنى عراصها بالصفاح والعمد؛ وكانت الذمة تقعده عن مراتب أكفائه، وتجد في طموس رسمه وعفائه، حتى ألحقه الله بأقرانه، وأقاله من متعثر خسرانه؛ فتطهر وأسلم، وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم.
فمن شعره القطعة التي أطلعها نيرة، وترك الألباب منها متحيرة؛ ذكرها أبو نصر الفتح بن خاقان، في كتاب قلائد العقيان:
تَوْريدُ خدّك للأحداق لذّاتُ ... عليه من عَنْبر الأصْدَاغ لامَاتُ
نِيرانُ هَجْرك للعُشَّاقِ نارُ لظًى ... لَكْن وصالُك عن واصلتَ جنّات
كأنّما الرّاحُ والرّاحاتُ تَحملُها ... بُدورُ تِمِّ وأيدي الشًّرب هالات
حُشاشةٌ ما تَركنا الماءَ يَقْتُلها ... إلاّ لتَحْيا بها منّا حُشَاشات
قد كان في كأسِها من قبلها ثِقَلٌ ... فخفَّ إذ مُلِئتْ منها الزُّجاجات
قال ذو النسبين رضي الله عنه: أخذ هذا المعنى من قول الشاعر أبي علي إدريس بن اليمان، من أهل جزيرة يابسة، من قصيدة طويلة يمدح بها إقبال الدولة أبا الحسن علي بن أبي الجيش مجاهد بن عبد الله مولى أبي عامر:
ثَقُلتْ زُجاجاتٌ أتَتْنا فُرَّغاً ... حتّى إذا مُلئت بِصرْف الرَّاحِ
خفَّت فكادتْ تَستطيرُ بما حَوتْ ... وكذاَ الجسوم تَخِفُّ بالأرواح
ومنهم الفقيه الأديب الزكي الحسيب:
أبو عبد الله محمد بن الفخار