المطرب من أشعار أهل المغرب

المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٥٥

أما ونسيِمُ الرّوضِ طَاب له نشرُ ... وهبَّ له من كُلّ زاهرةٍ نَشْرُ
يُحامِي له عن سّره زَهَرُ الرُّبى ... ولم يَدر أن السّرَّ في طَيّه نَشْر
ففي كُلّ سِرّ من أحاديِث طِيبه ... تَمائُم لم يَعْلَق بحامِلها وِزْر
لقد فَغَمتْني من ثَنائك نَفْحةٌ ... يُنافِسني في طِيبِ أنفاسِها العِطْر
تَضَوعَ منها العَنْبر النّدُّ فانْثنت ... وقد أوهَمتْني أنّ منزلها الشّحْر
سِرى الكبرُ في نفسي لهَا ولربمَّا ... تجانف عن مَسرى صَرامتَي الكبُر
وشيَب بها معنًى من الراّح مطربٌ ... فخيّل لي أنّ ارتياحي بها سُكر
أبا عامرٍ أنْصف أخاك فإنّه ... وإيّاكَ في مَحْض الهوى الماءُ والخَمْر
أمثلكُ يَبْغي في سَمَائيَ كوكبا ... وفي جَوّك الشِّمسُ المُنيرةُ والبدرُ
ويلتمسُ الحَصْباء في ثَعْب الحَصَى ... ومن بَحرك الفيّاض يُستخرج الدُّرّ
عجبتُ لمن يَهوى من الصُّفر تُومَةً ... وقد سالَ في أرجاء مَعْدِنه التِّبر
قوله: " لقد فغمتني " الفغم، بالغين المعجمة يستعمل في ملء الرائحة، أنفاً أو مكاناً قال الراجز:
نفحة مسك تفغم المزكوما
ومن المتقدمين من شعراء الأندلس والمغرب:

أبو القاسم محمد بن هانئ
الأندلسي الدار، وإن كان قبيح الغلو، شهير الاستهتار، فربما صدرت عنه درر تلحقه بالشعراء الكبار:
فُتِقًتْ لكم ريحُ الجِلاَد بَعْنبَرِ ... وأمدُّكم فَلَق الصَّباحِ المُسْفِرِ
وجَنَيْتُمُ يَمَرَ الوقائع يانِعاً ... بالنَّصْر من وَرَق الحَديد الأخْضَر
قال ذو النسبين، رضي الله عنه، هذا بيت بديع زاد فيه على قول البحتري:
حَملتْ خمائلُه القديمة ثِقْلَهُ ... من عَهْد عادٍ غَضّة لم تَذْبل
وضربتُمُ هامَ الكُماةِ ورُعتُم ... بِيضَ الخُدورِ بكُلِّ لَيْث مُخدِرِ
أبنَيِ العَوالِي السَّمهريِةّ والسّيو ... فِ المّشْرفيةِ والعَديدِ الأكثر
مَن منكُم الملكُ المُطاعُ كأنه ... تحت السّوابغ تُبَّعٌ في حِمْيَر
القائد الخيلِ العتاقِ شَوازباً ... خُزْراً إلى لحظ السِّنان الأخْزَر
ومنها يصف الممدوح:
نَحَر القَبُولَ من الدَّبُور وسار في ... جَمْع الهِرَقْلِ وعَزْمةِ الإسْكندرِ
في فتْيةٍ صَدَأ الدّروعِ عَبيرُهُم ... وخَلوقُهم عَلقُ النَّجيعِ الأحْمِر
لا يأكلُ السّرحانُ شِلوَ عَقيرهم ... مما عليه من القَنَا المتكسّر
قوله: " لا يأكل السرحان شلو عقيرههم ... البيت ". أي لو يمت لشجاعته حتى تحطم عليه من الرماح ما لا يصل معه الذئب إليه، ولو كان العقير هو الذي عقروه هم لكان البيت هجوا، لأنه كان يصفهم بالتكاثر على واحد.
ومن قوله أيضا يمدح الأمير أبا الفضل جعفر بن علي الأندلسي:
ألَيلتَنَا إذ أرسَلَتْ وارداً وَحْفَا ... وبتْنا نَرى الجوزَاء في أذنها شَنْفَا
وباتَ لنا ساقٍ يَصُول على الدُّجَى ... بشَمْعة صُبح لا تُقَطُّ ولا تُطْفَا
ومن مليحها قوله:
يقولون حقْفٌ فوقه خَيْزُرانةٌ ... أمَا يَعْرفون الخَيزرانَة والحقْفَا
جَعلنا حَشَاياَنا ثِيابَ مُدامِنا ... وقَدَّت لنا الظلماءُ من جِلْدها لُحْفا
فَمن كَبِدٍ تدُنِى إلى كبدٍ هَوىً ... ومن شَفَة تُوحِي إلى شَفَةٍ رَشْفا
وقوله منها يشبه نجوم الليل:
فولّت نُجومٌ للثّريّا كأنهّا ... خَواتيمُ تَبْدُو في بَنان يد تَخْفَى
ومرّ على آثارها دَبَرانُها ... كصاحب رِدْء كُمِّنَتْ خَيلهُ خَلْفا
وأقبلت الشِّعْرى العَبُوُر مُكبَّةً ... بِمْرزَمها اليعبوبِ تجنُبه طِرفاْ
وقد بادرتْها أختُها مِن ورائها ... لِتَخْرق من ثِنْيَيْ مَجرَّتِها سِجْفا