المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٥١
وكان الوزير ذو الوزارتين أبو الحسن المذكور ذا بضائع من العلوم والآداب كلها جواهر، وجميعها إذا أدجت الأيام زواهر؛ وكان ذكر بني عباد بالكرم بالمغرب. وقد طار وطبق الأقطار، فقصدهم بتلك البضائع التي لا يروج إلا لديهم نفاقها، ولا تقام إلا عندهم أسواقها؛ فأخفق لاشتغالهم عنه - لا لتقلص ظلال كرمهم - مسعاه، وتكدر مورده وصوح مرعاه؛ فأم غير مورد نداهم موردا، وارتحل عنهم منشدا:
تَعزَّ عن الدُّنيا ومَعروِف أهلها ... إذا عُدمٍ المَعروفُ في آلِ عبْادِ
أقمتُ بهم ضَيْفاً ثلاثَةَ أشهرٍ ... بغَيرْ قرِي ثم انصرفتُ بلا زاد
فندموا على تفريطهم فيه وما فرط من إهمالهم، وقد ألبسهم من العار ما عراهم من حلل الأيادي السابقة من نوالهم.
وله إلى الفقيه العالم الأديب الأحسب، قاضي القضاة بشرق الأندلس ونخبة الأملاك من كلب، أبي أمية إبراهيم بن عصام الكلبي:
لي صاحبُ عَمِيَتْ علىّ شُئُونُه ... حركاتُه مَجْهولةٌ وسُكُونُه
يرتابُ بالأمر الجَلِّيِ تَوهُّماً ... وإذا تَيقَّن نَازَعَتْهُ ظُنُونه
ما زلتُ أحفظه على شَرَقِي به ... فالشَّيبُ تكرَهُه وأنتَ تَصُونه
والوزير أبو بكر محمد بن عيسى الداني المعروف:
ابن اللبانة
من شعراء السلطان ابن عباد، وممن وفى له فقصده وهو محبوس بأغمات آخر تلك البلاد. فمن قوله في المدح في المعتمد على الله:
مَلكٌ إذا عَقَدَ المغَافِرَ للوَغَى ... حَلَّ الملوكُ مَعاقِدَ التِّيجانِ
وإذا غَدت راياتُه مَنشورةً ... فالخافِقان لهُنَّ في خَفَقان
وله في ناصر الدولة صاحب جزيرة ميورقة.
وعَمْرتَ بالإحسان أفق مَيورْقَةٍ ... وبَنيتَ فيها ما بنَى الإسكندَرُ
فكأنَّها بَغدادُ أنتَ رَشيدُهاووزيرُها ولهَ السلامةُ جَعفر
قوله: " وله السلامة " في باب الحشو أملح وأوضح من قول المتنبي لكافور:
وتَحتقرُ الدّنيا احتقارَ مُجِّربترى كلَّ ما فيها وحاشاكَ فَانِيَا
وله:
كأنّ عُلاكَ أفلاكٌ وفُلْكٌ ... بأرزاقِ البريَّة جارياتُ
كأنَّ هِباتِها من غير وَعْدٍ ... نَتائجُ مالهنَّ مُقَدِّمَات
ومهما اهتزَّ جيشُك نحو جيشٍ ... فأنتَ سِنانُه وهو القَناة
النتيجة عند أهل المنطق لا تكون إلا عن مقدمات، أقلهن اثنتان. والشاعر لا يطالب بحقيقة، ولا يغالب بغير طريقته من طريقه.
وله في غلام جميل:
إن تكُنْ تَبتغي القِتالَ فدَعْنِي ... عنكَ في حَوْمةِ القِتال أحَامِي
خُذ جَنانِي عن جُنّةٍ ولِساني ... عن سِنانٍ وخَاطري عن حُسَام
وقال يهنئ بمولود ولد في شهر رجب:
نَجمٌ تَراءَى في سماءِ الحَسَبْ ... للشُّهْب في إبّانه مُنْتَسَبْ
وأعْرَبت ليلُة ميلاده ... بلَيلةِ القَدْر أتَتْ في رَجَبْ
والوزير الفقيه اللغوي النحوي العالم، ومن له المناقب والأحساب الشهيرة والمكارم؛ بحر العلم الزاخر، وفخر الأوائل والأواخر، الذي يهتدي بنجم فضله المهتدون، أبو محمد عبد المجيد بن عبد الله:
ابن عبدون
وقد ذكرنا قبل قصيدته المحتوية على جميع الفنون، التي أنشدنيها عنه القاضي أبو عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون. وأنشدني له أيضا:
وما أنْسَ بين القَصْر والنِّهِر وَقْفَةً ... نَشدتُ بها ما ضَلَّ من شارِدِ الحُبِّ
رَميتُ بعيْني رَمْيةً سَمَحت بها ... فلم أثْنِها إلا ومَجروحُها قَلْبي
وله:
مَررتُ على الأيّاِم من كل جَانبٍ ... اصَعِّدُ فيها تَارة وأصوِّبُ
يُنِير لِيَ الثَغرانِ: صبحٌ وصارم ... ويكتُمني القلبان: لَيلٌ وَغَيْهب
لقَد لَفظَتْني الأرضُ إلاّ تَنُوفَةُ ... يُحدثني عنها العِيانُ فيَكذب
ومما قاله، وجمع فيه حروف الزيادة:
سألتُ الحُروف الرائداتِ عن اسمها ... فقالت ولم تَكْذِب أمانٌ وتَسّهيلُ
قال أبو الفتح بن جني في كتاب " التصريف الملوكي " له ما هذا نصه: