المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٤٩
عَبّادُ المَلك الذي وَصَل المُنَى ... منه بَوجْهٍ مثلِ حَمْدِيَ أزْهرا
ماضٍ وصدْرُ الرُّمح يَكْهَم والظُّبا ... تَنْبُو وأيدي الخَيل تَعْثُر في البَرَى
لا شَيء أقرأ من شِفَار حُسَامه ... إنْ كنتَ شَبَّهتَ المواكب أسْطُرا
السيفُ أفصحُ من زيادٍ خُطبةً ... في الحَرْب إن كانت يَمينُك مِنْبرا
ما زِلْتَ تُغْنِى من عَنَا لك راجياً ... فَضْلاً وتُفْنِى مَن طَغَى وتَجبَّرا
حتّى حَلْلتَ من الرّياسة مَحْجرا ... رَحْباً وضَمَّت منك طَرْفاً أحورا
شَقِيَتْ بسيفك أمّةٌ لم تَعْتمد ... إلا اليهود وإن تَسمّت بَرْبَرَا
أثمرْتَ رُمْحك من رؤس كُماتِهم ... لمّا رأيتَ الغُصْنَ يُعْشَقُ مثُمِرا
وصَبغتَ دِرْعك من دماء كُلُومهم ... لما رأيتَ الحُسن يُلْبَسُ أحمرا
وإليكَها كالرَّوض زارتهْ الصَّبا ... وحَنا عليه الطَّلُّ حتّى نَوَّرا
نمّقتُها وَشْياً بذِكْرك مُذهَباً ... وفَتَقْتُها مِسْكاُ بحَمْدك أذْفَرا
مَن ذا يُتافحني وذِكُرك مَنْدلٌ ... أورَدتُه مِن نار فِكْريَ مِجْمرا
فلئن وجدتَ نسيم حَمْديَ عاطراً ... فلقد وجدتُ نسِيمَ بِرِكّ أعْطَرا
قال ذو النسبين رضي الله عنه: وهذه القصيدة من غرر القصائد، ودرر القلائد؛ وكل بيت منها بيت قصيد، وواسطة سلك فريد.
وله يتغزل في مملوك رومي للمؤتمن، قد لبس درعا:
وأغيدَ مِن ظِباء الرُّومِ عاطٍ ... بِسالِفتَيْه من دَمْعي فريدُ
قَسَا قلْباً وشَنّ عليه دِرعاً ... فظاهرُه وباطنُه حديد
بكيتُ وقد دَنَا ونأى رِضاه ... وقد يَبْكي من الطّربِ الجَليد
وإنّ فَتًى تَملَّكه بنَقْدٍ ... وأحْرزَ رِقَّهُ لَفتىً سَعِيد
يقال: سَننت الماء بالسيّن، المهملة، وشَننته، بالشين المعجمة، فالسنّ والشّنّ: الصبّ.
وقال ابن الأنباري: سن الدرع عليه، بالسين غير معجمة: صبها.
وأهدى الناس في يوم عيد إلى السلطان المعتمد على الله أبي القاسم محمد بن عباد، مما يهدى للملوك في الأعياد، فاقتصر على ثوب صوف بحري أصفر، وكتب معه:
لما رأيتُ النّاسَ يْحتفلون في ... إهداءِ يومك جِئتُه من بابِهِ
فبعثتُ نحوَ الشّمس شِبهْ إهابها ... وكسوتُ مَتْن البحر بعضَ ثيابه
وله يعتذر من وداعه للسلطان أبي يحيى محمد بن معن بن صمادح.
أمُعتصماً بالله والحربُ ترتَمي ... بأبطالها والخيلُ بالخيل تَلْتَقي
دَعتْني المطَايا للترحيل وإنّني ... لأفْرَقَ من ذكر النَّوى والتّفرُّق
وإنّي إذا غرَّبتُ عنك فإنما ... جَبينُك شَمسِي والمَرِيّةُ مَشْرقي
وكتب إليه المعتصم بالله ثلاثة أبيات في العتاب:
وزهَّدنِي في النّاس مَعْرفتِي بهم ... وطُولُ اختبارِي صاحباً بعد صاحب
فلم تُرِني الأيام خِلاً تَسُّرني ... بواديه إلا ساءني في العَواقب
ولا صِرْتُ أرجوهُ لدَفْع مُلمَّةٍ ... من الدّهر إلا كان إحدى النّوائب
فأجابه ابن عمار:
فديتُك لا تَزْهدْ فثَمَّ بقيةٌ ... ستَرْغب فيها عند وَقْع التجاربِ
وأبقِ على الخُلْصَان إنّ لديهمُ ... على البَدْءِ كَرَّاتٍ بحُسن العَواقب
تكنَّفْتَني بالنّظم والنثّر جاهداً ... وسُقتَ علىّ القَولَ من كلّ جانب
وقد كان ليلو شئتُ ردٌّ وإنَّماأجرَّ لِساني بعضُ تلك المواهب
ولابدّ من شَكْوَى ولو بتنفُّسٍ ... يُخفّف من حرّ الحَشَا والتّرائب
كتبتَ على رَسمْي وبعد نَسيئة ... قرأتُ جوابي من سطور المواكب
ثلاثة أبياتوهيهاتَإنَّمابعثتَ إلى حَربي ثلاثَ كتائب
وكيف يَلذُّ العيش في عَتْب سيِّدٍ ... وما لذَّ لي يوماً على عَتْبِ صاحبِ