المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٤٨
ثم إنه أعمل لنفسه في الخلاص من سجنه حيلا، واتخذ الليل للهرب جملا. فقطع في ليلة واحدة ما بين قرطبة وإشبيلية من المفاوز والمراحل، ومسافتها ثلاثة أيام لو أخذت الرواحل. ولما اتصل خبر وصوله بأبي عمرو عباد، وهو يومئذ سلطان تلك البلاد؛ تلقاه في جماعة من جماهير الكماة، ومشاهير العلماء والقضاة؛ فألقى مقاليد وزارته وجميع أمور دولته إليه، وأفاض الحلع والسوابغ عليه.
ذو الوزارتين أبو بكر محمد بن عمار
هو وابن زيدون فرسا رهان، ورضيعا لبان، في التصرف في فنون البيان؛ وهما كانا شاعري ذلك الزمان. وكانت ملوك الأندلس تخافه لبذاءة لسانه، وبراعة إحسانه؛ لا سيما حين اشتمل عليه السلطان المعتمد على الله وأنهضه جليساً وسميراً؛ وقدمه وزيراً ومشيراً، ثم خلع عليه خاتم الملك ووجهه أميراً، وقد كان أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً؛ فتبعته المواكب والمضارب، والنجائب والجنائب؛ وانقادت له العساكر والكتائب والجنود، وضربت خلفه الطبول ونشرت على رأسه الرايات والبنود؛ فملك مدينة تدمير، وأصبح راقي منبر وسرير؛ مع ما كان فيه من عدم السياسة وسوء التدبير. ثم انتزى على مالك رقه، ومستوجب شكره ومستحقه. فبادر إلى عقوقه وبخس حقه؛ فتحيل المعتمد عليه، وسدد سهام المكايد إليه؛ حتى حصل في قبضته قنيصا، وأصبح لا يجد له محيصا، إلى أن قتله المعتمد في قصره ليلاً بيده، وأمر من أنزله في ملحده؛ وذلك سنة سبع وسبعين وأربعمائة.
فمن قوله الرائق، ولفظه الفائق، يمدح السلطان المعتضد بالله أبا عمرو عباد بن محمد:
أدِرِ الزُّجاجَةَ فالنّسيم قد انبرَى ... والنجمُ قد صَرف العنَان عن السُّرَى
والصبحُ قد أهدَى لنا كافورَه ... لما استردَّ الليلُ منا العَنبرَا
والرَّوْضُ كالحَسْنَا كَساهُ زَهْرُه ... وَشياً وقلّده نَداهُ جَوهَرا
أو كالغَلاِم زَها بوَرْد رياضِه ... خَجَلاَ وتاهَ بآسهِن مُعذَّرا
روضٌ كأنّ النَّهر فيه مِعصمٌ ... صَافٍ أطلَّ على رِدَاءِ أخضَرا
وتكلَّلت بالزَّهر صُلع هِضَابِه ... حتى حَسبْنا كُلّ هَضْب قَيْصرا
وتَهزُّه ريح الصَّبا فتخالُه ... سيفَ ابن عبّاد يُفرّق عَسْكرا
عَبَّادٌ المُخضَرُّ نائلُ كَفِّه ... والجوُّ قد لَبِس الرّداءَ الأغبَرا
عَلِق الزمانُ الأخطرَ المُهْدى لنَا ... مِن ماله العلْقَ النَّفيسَ الأخطَرا
ملكٌ إذا ازدحمَ المُلوك بمَوْردِ ... ونَحاهُ لا يَرِدُون حتى يَصْدُرا
أندى على الأكبادِ من قَطْر النَّدى ... وألذُّ في الأجفانِ من سِنَةِ الكَرى
قَدّاح زَنِدْ المَجْد لا يَنْفَكّ عن ... نارِ الوَغَى إلا إلى نارِ القِرىَ
يختار أنْ يَهَب الخَريدةَ كاعِباً ... والطَّرْفَ اجردَ والحُسامَ مُجوهَرا
أيقنتُ أنّى من ذُراه بجَنَّة ... لمّا سَقَاني من نَداهُ الكوثرا
وعلمتُ حقًّا أن رَبْعَي مُخْصِبٌ ... لمّا سألتُ به الغَمامَ المُمْطرَا
من لا تُوازِنُه الجبالُ إذا احتبَى ... مَن لا تُسابِقُه الرّياحُ إذا جَرى
قَاد المواكبَ كالكواكبِ فوقَها ... مِن لامه مِثلُ السحاب كَنَهْوَرا
من كّلِ أبيضَ قد تَقلدّ أبيضاً ... عَضْباً واسمرَ قد تقلدّ أسْمرا
مَلِكٌ يروقُك خَلْقُه أو خُلْقه ... كالرَّوض يُحْسن مَنْظراً أو مَخْبرا
وسَمعتُ باسم القَطْرِ حتى شِمْتهُ ... فرأيتُه في بُرْدَتَيْه مُصورَّا
وجهِلتُ مَعنى الجُود حتى زُرْته ... فقرأتُه في راحَتَيْه مُفَسَّرا
فاحَ النّدَى مُتعِّطرا بثَنائه ... حتّى حَسِبْنا كلَّ تُرْب عَنْبرا
حَسبي على الصُّنع الذي أولاهُ أن ... أسْعَى بشُكْرٍ أو أموتَ فأعْذَرا