المطرب من أشعار أهل المغرب

المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٤٦

قد عَوَّد الطيرَ عاداتٍ وَثِقْنَ بها ... فهنّ يَتْبَعْنَه في كُل مُرْتَحِل
وأخذه أبو تمام فقال:
وقد ظُلّلت عِقْبانُ أعلامه ضُحًى ... بعِقْبان طَيْرٍ في الدّماءِ نَواهلِ
أقامتْ مع الرّاياتِ حتى كأنَّها ... من الجَيْش إلاَّ أنَّها لم تُقَاتل
وكلهم قصر عن النابغة الذبياني في قوله:
إذا ما غَزَوا بالجَيْش حَلَّق فوقهم ... عَصائبُ طَيْرٍ تَهتدي بعَصائب
جَوانحَ قد أيقنَّ أنَّ قَبِيلَه ... إذا ما التَقى الجْمَعان أولُ غالب
لهنَّ عليه عادةٌ قد عَرَفْنها ... إذا عُرِّضَ الخَطُّىُّ فوق الكَواثب
وإنما قلنا إنهم قصروا عن النابغة لأنه زاد في المعنى واحسن التركيب. ودل على أن الطير إنما أكلت أعداء الممدوح. وكلامهم كلهم مشترك محتمل ضد ما نواه الشاعر. وإن كان أبو تمام قد زاده في المعنى على أن الطير إذا شبعت ما تسأل أي القبيلين الغالب. وقد أحسن أبو الطيب المتنبي في قوله:
له عَسْكرَا خَيْلٍ وطَيرٍ إذَا رمَى ... بها عسكراً لم يَبق إلا جَمَاجِمُه
ويتوجه عليه أن هذه الطير لأي معنى عافت الجماجم، دون عظام السوق والأذرع وغيرها من الأعضاء. وقد اخذ منهم بكر بن النطاح فقال:
وتَرى السباعَ معَ الجوَا ... رحِ فوق عَسْكرنا جَوانحْ
ثقةً بأنَّا لا نَزا ... لُ نُمِير ساغَبِها الذبائح
ساغبها: جائعها، والسغب: الجوع.
ولو تتبعنا جميع ما نظمه الشعراء في هذا الباب، لأتى على اكثر الكتاب.
وقال أبو عامر بن شهيد:
ولمّا تَملاَّ مِن سُكْره ... فَنَام ونَامت عُيون العَسَسْ
دنوتُ إليه على بُعده ... دُنُوَّ رفيق دَرى ما التَمس
أدبُّ إليه دبيبَ الكَرى ... وأسمو إليه سُمَّو النَّفس
وبتذُ به ليلتي ناعماً ... إلى أن تَبسَّم ثغرُ الغلس
أقبّل منه بَياض الطُّلا ... وأرشفُ منه سَوادَ الَّلعَس
ومنهم شاعر قرطبة وزعيمها، ونخبة بني مخزوم وضميمها، ذو الوزارتين:

أبو الوليد بن زيدون المخزومي
أحمد بن عبد الله بن أحمد فمن قصائده التي ضربت في الإبداع بسهم، وطلعت في كل خاطر ووهم، ونزعت منزعاً قصر عنه حبيب وابن الجهم:
أضحى التنائي بَديلاً من تَدانينا ... وناب عن طِيب لُقْيانا تَجافينَا
بِتْمُ وبِنِّا فما ابتلَّت جوانحُنا ... شَوْقاُ إليكم ولا جَفَّت مآقينا
تكاد حين تُناجيكم ضمائُرنا ... يَقْضي علينا الأسَى لولا تأسِّينا
حالتْ لفقدكُمُ أيّامُنا فغَدتْ ... سُوداً وكانتْ بكُم بيضاً لَيالينا
إذ جانبُ العَيْشِ طَلْقٌ من تألِّفنا ... ومَوْرد اللَّهو صافٍ من تَصافِينا
وإذ هَصَرنا غُصون الأنس دانيةً ... قُطوفُها فجنينَا منه ماشِينَا
لِيُسق عهدُكُم عهدُ السرور فما ... كُنتم لأرواحِنا إلاّ رياحِينا
مَن مُبْلغُ المُلبِثينَ بانتزاحِهمُ ... حُزناً مع الدّهرِ لا يَبلى ويُبْلينا
أنّ الزّمان الذي ما زال يُضحكنا ... أنساً بقُربهمُ قد عادَ يُبكينا
غيظَ العِدَا من تَساقينا الهوَى فدعَوْا ... بأنْ نَغَصَّ فقالَ الدهرُ آمينا
وبات ليلة بإحدى جنات إشبيلية فقال:
وليلٍ أدمْنا فيه شُربَ مُدامةٍ ... إلى أنْ بدَا للِصُّبح في اللَّيل تأشيرُ
وجاءَت نُجومُ اللَّيل تَضربُ في الدُّجى ... فولّت نُجومُ اللّيلِ واللّيلُ مَقْهور
فَجُزْنَا من اللَّذات أطْيبَ طِيبها ... ولم يْعرُنَا هَمٌ ولا عاق تَكْدير
خَلا أنّه لو طالَ دامتْ مَسرَّتي ... ولكنْ ليالي الدّهِر فيهنَّ تقصير
ومن قوله:
بيني وبينَك ما لو شئتَ لم يَضِعِ ... سِرٌّ إذَا ذَاعت الأسرار لم يَذعِ