المطرب من أشعار أهل المغرب

المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٤١

ولنرجع إلى ذكر الغزال، فإنه لما أنشد " نود " الشعر وفسره الترجمان لها، ضحكت منه وأمرته بالخضاب. ففعل ذلك الغزال، وغدا عليها يوماً ثانيا. وقد اختضب؛ فمدحت خضابه وحسنته عنده، ففي ذلك يقول الغزال:
بكَرتَ تُحًسِّنُ لي سَوادَ خِضَابي ... فكأنّ ذاك أعادني لشَبابِي
ما الشَّيبُ عندِي والخضابُ لواصفٍ ... إلاّ كَشَمس جُلِّلت بضَباب
تَخْفَى قليلاً ثم يَقْشَعها الصَّبا ... فيصيرُ ما سُتِرت به لذَهاب
لا تُنكري وضَح المَشيب فإنّما ... هو زَهْرَةُ الإفهام والألبْاب
فلديّ ما تَهويْن من شأن الصّبا ... وطلاوة الأخلاق والآداب
ثم انفصل الغزال عنهم، وصحبه الرسل إلى شنت يعقوب بكتاب ملك المجوس إلى صاحبها. فأقام عنده مكرما شهرين، حتى انقضى حجهم، فصدر إلى قشتالة مع الصادرين، ومنها خرج إلى طليطلة حتى لحق بحضرة السلطان عبد الرحمن بعد انقضاء عشرين شهرا ومن قوله أيضا المتفق عليه في جميع الروايات:
يَا راجياً وُدَّ الغَواني ضِلَّةً ... ففؤادُه كَلَفاً بهنَّ مُوَكّلُ
لا تَكلَفنّ بوصْلِهنَّ فإنما ال ... كَلِفُ المحبُّ لَهن من لا يَعقل
إنّ النساءَ لكالسُّروجِ حقيقةً ... فالسّرجُ سرجُك ريثما لا تنزل
فإذا نَزلتَ فإنّ غَيرك نازلٌ ... ذاكَ المكانَ وفاعلٌ ما تَفعلُ
أو منزِلِ المُجتازِ أصبح غادِياً ... عنه وينزلُ بعده من ينزل
أو كالثمِّارِ مُباحةً أغصانُها ... تدنُو لأوَّل من يمرُّ فتُؤكل
أعطِ الشبيبة لا أبَالَك حقَّهامنها فإن نعيمَها متحوِّل
وإذا سُلبت ثِيابَها لم تَنتفع ... عندَ النّساء بكل ما يثستبذَل
ثم إن الغزال هجا أبا الحسن علي بن نافع، الملقب بزرياب، بهجو مقذع، تحرجت من إيداعه في هذا الكتاب.
وزرياب هذا مولى الخليفة المهدي، ابن الخليفة أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب. قدم الأندلس مهاجراً إلى عبد الرحمن بن الحكم، فتلقاه بأعلى المحل، وفوض إليه أكثر أموره في العقد والحل؛ وذلك لهجرته إليه وحسن غنائه، وتناهيه في الإطراب وغنائه. وهو أول من سن في الأندلس أكل الهليون والنقاوى وقلى الفول واستعمال الأنطاع للنوم، والتحلي بالحرير والخز والمروية. وسن لباس البياض من المهرجان إلى نصف أكتوبر، وإن كان مطرا. وعلمهم الغناء واخترع النقر بالريش، وتوفى سنة ثلاث وأربعين ومائتين فشكا للسلطان الغزال وعرض هجوه عليه، وما قذفه به ونسبه من الفحش إليه. فأمر السلطان بنفيه عن الأندلس. فكلمه فيه أكابر أهل دولته فتركه. ثم إن الغزال لم يطب نفساً بالمقام في الأندلس فرحل إلى العراق، وذلك بعد موت الحسن بن هانئ بمدة يسيرة، فوجدهم يلهجون بذكره ولا يساوون شعر أحد بشعره. فجلس يوماً مع جماعة منهم فأزروا بأهل الأندلس، واستهجنوا أشعارهم؛ فتركهم حتى وقعوا في ذكر الحسن، فقال لهم: من يحفظ منكم قوله:
ولمّا رأيتُ الشَّرب أكْدتْ سماؤْهم ... تأبّطتُ زِقِّي واحتسبْتُ عَنَائِي
فلمّا أتيتُ الخَان ناديتُ ربَّه ... فهبَّ خَفيفَ الرّوح نَحْو نِدائي
قليلَ هُجوعِ العَينِ. إلاّ تَعِلَّةً ... على وجَلٍ منِّي ومن نُظَرائي
فقلتُ أذِقْنيها فلمّا أذاقني ... طَرحْتُ إليه رَيْطتي ورِدائي
وقلت أعِرنْي بِذْلَةً أستَتِرْ بها ... بذَلْتُ له فيها طلاقَ نِسائي
فو الله ما برَّت. يَمينِي ولا وفَتْ ... له غَير أنِّي ضامِنٌ بوفائي
وأبتُ إلى صَحْبي ولم أكُ آئباً ... فكُلٌّ يُفدّيني وحَقّ فِدائي
فأعجبوا بالشعر وذهبوا في مدحهم له كل مذهب. فلما أفرطوا قال لهم: خفضوا عليكم فإنه لي. فأنكروا ذلك. فأنشدهم قصيده الذي أوله:
تداركُت في شُرب النبيّذ خَطائي ... وفارقت فيه شِميتي وحَيائِي
فلما أتم القصيد بالإنشاد خجلوا وافترقوا عنه.