المطرب من أشعار أهل المغرب

المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٤٠

قال تمام بن علقمة: سمعت الغزال يحدث بهذا الحديث، فقلت له: وكان لها من الجمال في نفسها بعض هذه المنزلة التي صورت؟ فقال: وأبيك، لقد كانت فيها حلاوة، ولكني اجتلبت بهذا القول محبتها، ونلت منها فوق ما أردت.
قال تمام بن علقمة: وأخبرني أحد أصحابه، قال: أولعت زوجة ملك المجوس بالغزال فكانت لا تصبر عنه يوما حتى توجه فيه، ويقيم عندها يحدثها بسير المسلمين وأخبارهم وبلادهم، وبمن يجاورهم وبلادهم، وبمن يجاورهم من الأمم. فقلما انصرف يوما قط من عندها إلا اتبعته هدية، تلطفه بها من ثياب أو طعام أو طيب، حتى شاع خبرها معه، وأنكره أصحابه، وحذر منه الغزال، فحذر وأغب زيارتها. فباحثته عن ذلك، فقال لها ما حذر منه. فضحكت، وقالت له: ليس في ديننا نحن هذا، ولا عندنا غيرة، ولا نساؤنا مع رجالنا إلا باختيارهن، تقيم المرآة معه ما أحبت، وتفارقه إذا كرهت. وأما عادة المجوس قبل أن يصل إليهم دين رومة، فألا يمتنع أحد من النساء على أحد من الرجال، إلا أن يصحب الشريفة الوضيع، فتعير بذلك، ويحجره عليها أهلها فلما سمع ذلك الغزال من قولها أنس إليه وعاد إلى استرساله.
قال تمام: كان الغزال في اكتهاله ويسما، وكان في صباه جميلا، ولذلك سمي بالغزال. ومشى إلى بلاد المجوس وهو قد شارف الخمسين وقد وخطه الشيب، ولكنه كان مجتمع الأشد، ضرب الجسم، حسن الصورة. فسألته يوما زوجة الملك - واسهما نود - عن سنة، فقال مداعبا لها: عشرون سنة. فقالت للترجمان: ومن هو من عشرين سنة يكون بها هذا الشيب؟ فقال للترجمان: وما تنكر من هذا؟ ألم تر قط مهراً ينتج وهو أشهب؟ فضحكت نود، وأعجبت بقوله. فقال في ذلك الغزال بديها:
كُلّفتَ يا قلبِي هوىً مُتْعبا ... غالبتَ منه الضَّيغَم الأغْلبَا
إنّي تعلّقتُ مجُوسيَّةً ... تأبَى لِشمس الحُسن أن تَغْرُبا
أقصى بلاد الله لي حيثُ لا ... يَلقى إليها ذاهبٌ مذهبا
يا نُود يا رُودَ الشَّباب التي ... تُطِلعُ من أزْرارها الكَوكبا
يا بابي الشخصُ الذي لا أرى ... أحْلى على قلبي ولا أعْذَبا
إن قلتُ يوما إنّ عيني رأت ... مُشبهَه لم أعْدُ أن أكذبا
قالت أرَى فَوْدَيْة قد نَوّرا ... دُعابةً تُوجب أن أدْعيا
قلت لها يا بأبى إنَّه ... قد يُنَتجُ المهر كَذَا أشْهَبا
فاستضحكَت عُجْباً بقولي لها ... وإنَّما قُلت لكي تّعْجبا
قوله " يا رؤد الشباب " الرأدة والرؤدة والرؤد: الجارية الناعمة الجسم. وقد رؤد شبابها. والغصن الرؤد ": الرطب، والشعراء يسهلون الهمزية يستهلون الهمزة منه تخفيفا فلا يكادون ينطقون بها.
وقوله: " فودية قد نورا "، فالفودان: ما يلي الأذنين من الشعر.
وقوله: " أن أدعبا " فإنه يقال من الدعابة: دَعِب، بكسر العين في الماضي، يدعب، بفتح العين في المضارع، دعباً، بفتح الدال والعين في المصدر.
وهذا الشعر لو روى لعمر بن أبي ربيعة، أو لبشار بن برد، أو لعباس بن الأحنف، ومن سلك هذا المسلك من الشعراء المحسنين لاستغرب له. وإنما أوجب أن يكون ذكره منسياً، أن كان أندلسياً؛ وإلا فما له أخمل، وما حق مثله أن يهمل. وهل رأيت أحسن من قوله: " تأبى لشمس الحسن أن تغربا "، أو كالبيت الأول من هذه القطعة، أو كصفته لما جرى من الدعابة؟ هل وصفته إلا الدر لمنتظم، وهل إلا نظلم في حقنا ونهتضم! يالله لأهل المشرق! قوله غاص بها شرق. ألا نظروا إلى الإحسان بعين الاستحسان، وأقصروا عن استهجان الكريم الهجان عن استهجان الكريم الهجان؛ ولم يخرجهم الإزراء بالمكان عن حد الإمكان؛ لئن أرهفت بصائرهم البصرة وأرقتها الرقتان؛ فقد درجنا نحن بحيث مرج البحرين يلتقيان، فإن منهما مخرج اللؤلؤ والمرجان. وينشد ما قاله بعض شعرائنا:
نَراحُ لفضل أن يكون لَديكُم ... فما لكُم تأبَون أن كان عندناَ
فلا تَحسدونا أن تَلُوح بأفقكم ... لنا طالعاتٌ مِن هناكَ ومن هنا
وإن كنتُم في العدّ أكثَر مفخراً ... فلا تَظلموناَ في القليل الذي لنا