المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٣٦
وأنشدونا له أيضا:
قالوا به صُفرةٌ عابت محاسَنه ... فقلتُ ما ذاك من داء به نَزلاَ
عَيناه تُطلب من ثأرٍ بما قَتلت ... فليس تَلقاه إلا خائفا وجِلا
وأنشدونا للفقيه الأجل المؤرخ صاحب الرحلة المذكورة، والتصانيف المشهورة، أبي الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف بن نصر الأزدي، المعروف بابن الفرضي، القاضي بمدينة بلنسية:
إنّ الذي أصبحتُ طَوْعَ يَمينه ... إنْ لم يكن قمراً فليس بدُونِهِ
ذُلّي له في الحُبّ من سُلطانه ... وسَقَام جِسْمي من سَقام جفُونه
وممن اشتهر عندنا بالشعر والأدب، ونظم منه مثل. الدرر وصاغ سبيه الذهب، إلا أنه أفرط في الإقذاع في الهجو فهجر لهذا السبب:
أبو بكرٍ يحيى بن سهل اليكّي
ويكة بياء مثناة باثنتين من أسفل: حصن في جوف مدينة مرسية، على خمسة وأربعين ميلا منها، وتشتبه ببكة، بالباء بواحدة من أسفل. وهي على مقربة من جزيرة طريف على ساحل البحر الملح، رأيتها غير مرة.
فمن قوله في الغزل مما أنشدنيه جماعة من أصحابه:
وقائلٍ فيم لم تَهْجَع فقلت له ... كيف الهجُوع بَطْرف نافرِ الوَسَنِ
لم يَدْرِ أنّ الكَرى الممنوعَ عن بَصَرِي ... تلك السِّناتُ الّتي في مُقْلَتَيْ حَسَنِ
وله:
يُوسفُ يا بُغْيَتِي وأنْسِي ... صَيَّرني مُغْرماً هَواكَا
ملكتَ قلبي وأنتَ فيه ... كيف حَوَيتَ الذّي حوَاكا
ومن قدماء شعراء صاحب الأندلس، أبي المطرف عبد الرحمن بن الحكم ابن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان:
يَحيى بنُ حَكَم الغَزَال
القاعد على كيوان، شاعر ذلك الأوان؛ وقد اثبت له من قوله ما يشهد بإبداعه، وحسن تصرفه في المعاني واختراعه، وطول يده في الأدب وامتداد باعه. فمن قوله فيما ذكره تمام بن علقمة في تاريخه:
بعَضَ تَصابيكَ على زَينب ... لا خَيَرَ في الصَّبوة للأشْيَب
أبعد خمسينَ تقضَّيتَها ... وافيةً تَصْبو إلى الرَّبربِ
كلّ رَدَاح الرِّدْف خُمْصانٍة ... كالمُهرةِ الضَّامرِ لم تُركَب
وفيه تشبيب حسن كثير اختصرناه لطوله، وقال في المديح منه:
مَن مُبلغٌ عنِّي إمامَ الهُدى ... الوارثَ المَجد أباً عن أبِ
أنّىِ إذا أطْنَبَ مُدَّاحُه ... قصدتُ في القول فلم أطْنِبِ
لا فَكَّ عنَّي الله إن لم تكن ... أذكرتَنَا من عُمَرَ الطَيِّب
وأصبح المشْرِقُ من شوقه ... إليك قد حنَّ إلى المغرب
منبرهُ يَهتفُ من وَجْده ... إليك بالسَّهل وبالمَرْحبِ
أطرَبَه الوقتُ الذي قد دنا ... وكان من قبلك لم يَطربِ
هَفَا به الوجدُ فلو مِنبرٌ ... طَارَ لَوافَي خَطفَةَ الكوكَب
إلى جميلِ الوجه ذِي هَيبةٍ ... ليست لحامِي الغابةِ المُغضَب
لا يُمكنُ النّاظرَ من رؤية ... إلا التماحَ الخائِف المُذنِب
كنا نعجب بقول البحتري ونستغربه في قوله لجعفر المتوكل:
فلو أنّ مشتاقا تَكلّف غيرَ مَا ... في وُسعه لسعَى إليك المنبرُ
حتى إذا رأينا قول الغزال، وعلمنا انه سبق إليه بزمانه، على أن البحتري استحقه أيضا بإحسانه، لأنه أتى بالمعنى في بيت واحد، واختصره اختصارا حسنا. كما أن قول الغزال:
لا يُمكن النّاظَر من رُؤيةٍ ... إلا التماحَ الخائفِ المُذنبِ
حسن جدا في معنى الهيبة، وقد أخذه منهم محمد بن أبي الحسن، فقال وو أحسن، وزاد في المعنى وبين:
كأنا من الإجلالِ تحت غَمامةٍ ... نُطَأطي لها بالرُّعب كلَّ الأحاين
كأناّ قُرِفنا باجْترامٍ ومالنا ... لساٌن يُقوينا بِعُذْر مُباين
ولبعض أهل البلاد من قصيد يمدح به أمير المسلمين علياً:
أراكَ ملأت الخافِقَين مهابةً ... لهَا مَا تُلِيح الشّهبُ في الخَفَقانِ
وتُغضى العيونُ عن سنَاك كأنّها ... تُقابِلُ منك الشّمس في اللَّمعان