المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٢٧
ويَضحكُ عن رِوْضٍ تُدانِي يَدُ الصَّبا ... به صفحةَ السَّوسان من صفحة الورَد
فطُوبَى لمن أضحى يمرّغُ لوعةً ... بتُربه ذاك القَبرِ خداً إلى خدِّ
بنٌّي عليه من تلأبؤ نُوره ... تلألؤ برقٍ أسْرَجته يَدُ الرّعد
نما من قُريش في ذُؤابِة هاشم ... فما شِئتَ من فضلٍ عَميم ومن مَجدْ
سلامٌ عليه ما تغنَّت حمامةٌ ... وفاحَ ذكيُّ المسكِ من جنةَّ الخُلدِ
وما أنشد المشتاقُ إن هبَّت الصَّبَا ... ألا يا صبا نَجد متى هجتِ من نَجد
وأنشدني أيضاً لنفسه في الجلمين:
ومُعتَنِقَين ما اتُّهما بعشْق ... وإن وُصِفا بِضَّمّ واعتناقِ
لعَمْر أبيك ما اجتَمعا لمعنًى ... سِوى مَعنى القَطيعة والفَراق
وأنشدني أيضاً في محبرة عناب محلاة بفضة:
مُنْعَلةٌ بالهلال مُلْجمةٌ ... بالنَّسر مجدولَةٌ من الشَّفقِ
كأنّما حِبْرُها تَمّيع في ... فُرضتها سائلاً من الغَسَق
فأنتَ مهما تُردِ شَبيهَتها ... في كُلِّ حالٍ فأنظرُ إلى الأفُق
وله في محبرة آبنوس:
وخَديمةٍ للعِلم في أحشائِها ... كَلَفٌ بجَمْعِ حَرامه وحَلالهِ
لبِستْ رداءَ اللّيل ثمّ توشَّحت ... بنجُومه وتَتَوَّجت بِهِلاَله
وأنشدني لنفسه في اللغز:
سَبِيئتان اثنتان هذى ... حلٌّ مُباح وذِي حَرَامُ
قُل لذَوِي العلم خَبِّرُوني ... ما الحِلُّ منها ومُا الحرامُ
السبيئة الأولى: هي شاة المسلوخة، يقال سبأت الجلد، إذا سلخته؛ والثانية: الخمر.
وأنشدني أيضاً في الغز لنفسه:
مُعَانَقَةُ العَجوزِ أشدُّ عندي ... وأقتلُ من مُعانقة العَحوز
وما ريق العَجوزُ أمرُّ عندي ... ولا بألذّ من بَوْل العَجوز
العجوز الأولى: المرأة المسنة، والثانية: السيف؛ والثالثة: الخمر؛ والرابعة: البقرة؛ وبولها: لبنها.
وله، حجازية:
متَى أقولُ وقد كَلَّت ركائُبنا ... من السُّرىَ وارتكابِ البِيدِ في البُكَر
يا نائمين على الأكوارِ ويحُكُم ... شُدُّوا المَطيَّ بذِكْر اللهِ في السَّحَر
أمَا سمعتُم بحَادِينا وقد سَجَعتْ ... وُرقُ لحمائم فَوق الأيكِ والسَّمُر
هذي البِشارةُ يا حُجَّاج قد وجبتْ ... غداً تَحُطّون بين الرُّكْن والحَجر
ومن شعراء الأندلس الذي فاخرت به شعراء العراق، وأجلب به المغرب على المشرق وجلبت إليه من أنفاسه نفائس الأعلاق، وسارت أشعاره سير الأمثال في الآفاق، الشاعر الرقيق:
أبو الحسن ابن الزقاق
علي بن عطية بن الزقاق
وقد حدثني بديوانه، جماعة من أخدانه. منهم الأديب الوزير، أبو بكر يحيى ابن محمد الأنصاري الأركشي، أتحفه الله برداء عرفانه،. فمن بديع شعره ومنظوم دره قوله:
لعمرُ أبيهَا ما نكثتُ لها عَهْدَا ... ولا فارقتْ عَيني لفُرقتها السُّهْدَا
أتأمرني سُعدي بأن أهجرَ الكَرى ... وأعصِي على طَوْعِي لأجفانِها سُعدي
بَرئتُ إذا من صُحبة الرّكب والسُّرى ... ولا عَرفَت إبْلى ذَميلا ولا وخْدا
وليلٍ طرقتُ الخِدْرَ فيه وللدُّجى ... عُبَابٌ تَراهُ بالكواكِبِ مُزْبِدا
أجاذبُ عِطْفَ الملكيّة تَحته ... وأسحبُ من ضافي العفاف به بُردا
نعمتُ بها واللّيلُ أسودُ فاحمٌ ... يغازل منها الأسودَ الفاحِم الجَعْدا
فلم أرَ أشهَى من لَمَاهَا مُدامة ... ولم أر أذكى من تَنُّفسِها نَدَّا
تبسَّمُ عمّا قُلّدتْه فأجتَلى ... بمْبَسمِها دُرّا ولَبَّتها عِقْدا
ويَعبقُ ريَّاها إذا هَّبت الصَّبا ... فيحملُ عنها نشُرها العنبَر الوَرْدا
سلِ الرّيحَ عن نَجد تخبِّرْك أنَّها ... معطَّرةُ الأنفاس مذ سكَنت نَجْدا