المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٢٤
وهذه القطعة للفقيه أبي أيوب سليمان بن محمد بن بطال البطليوسي، يعرف بالملتمس - والمتلمس في اللغو معناه: الطالب - وهو صاحب كتاب " الأحكام مما لا يستغني عن علمه الحكام " وصل إليه فتيان: أحدهما ذو لمة شقراء، والآخر ذو لمة سوداء، يتحاكمان عنده أيهما أجمل. فقال هذه الأبيات. فتكلم بألسنة المجيدين، وتصرف المطبوعين؛ فجمع الله العظيم له براعة الفقهاء، وبلاغة الشعراء النبهاء.
وأنشديني الفقيه القاضي بمدينة دانية أبو عبد الله محمد، ابن الفقيه القاضي بسبتة أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي، قال: أنشدني أبي لنفسه، في خامات زرع، بينها شقائق نعمان، هبت عليه ريح:
أُنظر إلى الزَّرع وخَاماته ... تَحكي وقد ماسَت أمامَ الرَّياحْ
كتيبةً خضراءَ مَهزومةً ... شقائقُ النعمان فيها جِرَاح
الخامة: القصبة الرطبة من الزرع.
وأنشدني أيضاً، قال: أنشدني أبي لنفسه رحمه الله:
يا من تحمَّل عنّي غيرَ مكترث ... لكنَّه للضّنَى والسُّقمِ أوصَى بِي
تركتَني مستهامَ القلب ذا حُرَق ... أخَا جَوًى وتباريحٍ وأوصاب
أراقب النّجمَ في جُنح الدّجى سَهراً ... كَأنني راصدٌ للنّجم أو صابي
وما وجدتُ لذيذَ النوم بعدكُم ... إلا جَنَى حَنْظَلٍ في الطّعمِ أوصاب
قوله: أوصى بي، من الوصية. والأوصاب: جمع وصب، وهو المرض وَصِب يَوْصَب فهو وَصِب، إذا لزمه وجع. والصابي، يهمز ولا يهمز؛ قرأ نافع: الصابين والصابون حيث وقع من القرآن بلا همز. وذلك على وجهين: أحدهما أن يكون خفت الهمزة؛ والوجه الآخران يكون: صبا إلى اللهو يصبو صبواً. والباقون يهمزون من قواهم: صبأ في الدين صبوءا، فالصبأة، مثل: كافر وكفرة، ومعناه الخارج من دين إلى دين، لأنهم خرجوا من اليهودية والنصرانية إلى دين ثالث. معظمهم يعبد الدراري، ومنهم من يعبد الملائكة؛ وقبلة صلاتهم من قبل مهب الجنوب. ويزعمون أنهم على دين نوح، على نبينا وعليه السلام، وفيهم اختلاف وكلام. والصاب: الصبر، وهو مر.
وأنشدني أيضاً لأبيه:
الله يعلم أنّي مُنذ لم أركم ... كطائرٍ خانَه ريشُ الجناحيْنِ
فلو قدرتُ ركبتُ البحر نحوكُمُ ... فإنّ بُعدَكُم عنّي جَنَى حَيْنِي
وأنشدنا أيضاً لأبي محمد عبد الله بن هارون من شعراء السبتيين المطبوعين في غلام رفاء، وكأن وجهه قمر سماء:
يا رافياً قَطْعَ كُلِّ ثوبٍ ... ويا رشاً خَيَّبَ اعتقادِي
عسى بكفِّ الوصال ترفُو ... ما قطعَ الهجرُ في فؤادي
وأنشدني أيضاً قال: أنشدني أبي لموسى بن عيسى السمسار البلغواطي في غلام أهدى له بنفسجا:
ما كان ألطفَه برُوح مُحبِّه ... إذ سلَّها منه بغير تَخرُّجِ
أهدَى إليه بَنفسَجاً يَشتمُّه ... فإذا به رِفقاً دع ياَ نَفْسُ جِي
وهذه القبيلة يقال لها: بلغواطة، بلام مفتوحة، وإسكان الغين. والنسب إليها: بغلواطي. قرأته في كتاب " تثقيف اللسان، وتلقيح الجنان "، للقاضي الجليل أبي حفص بن عمر بن خلف الحميري المازري قال: أخبرني بذلك اللغوي النحوي أبو بكر محمد بن البر التميمي، عن اللغوي الكبير أبي عبد الله القزاز، قال: والعامة تقوله بالراء: برغواطة، والصواب: بلغواطة، كما تقدم.
وأنشدني أيضاً قال: أنشدني أبي الفقيه الأديب أبي الحسن علي بن عمر، ابن الإمام الفقيه عالم سبتة أبي محمد عبد الله بن غالب:
ومهفهف خَنِثِ الجفون كأنَّما ... من أرجل النَّمل استَفاد عِذَارا
فتخالُه ليلا إذا استقبلتَه ... وتخال ما يجري عليه نَهارا
وأنشدني أيضاً قال: أنشدني أبي، قال: أنشدني الشيخ أبو علي الحسن ابن علي بن الفضل الفقيه، قال: أنشدني خالك أبو بكر محمد بن علي المعافري - المعروف بابن الجوزي - للكاتب أبي بكر عطاء، كاتب صاحب سبته الحاجب بهاء الدولة وكاتب أبيه قبله:
سأَمنع قَلبي أن يكونَ لكم مَثْوى ... وأستدفُع البَلْوى وأستصرف اللهوَا
وما سرَّني بعد الرّضا إذ غدَرْتُم ... وغدرتُمُ بين الحَشَى هضْبَتْي رَضْوى