المطرب من أشعار أهل المغرب

المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ٢١

هلّم إلى تدبير جيشين جُمِّعا ... رِخاٌخ وأفياٌل وجُرُدٌ سوابحُ
تكبّرن عن حمل السّلاح إلى الوغَى ... فأرْمَاحُها ألُبَابنا والقَوائحُ
وأنشدني غير واحد، قالوا أنشدنا: الوزير أبو بكر محمد بن محمد بن القصيرة من أبيات، يهنئ فيها بمولود:
لم يستهلَّ بُكاً ولكن مُنْكِراً ... أن لم تُعَدُّ له الدُّروعُ لَفائِفاَ
ومن أبدع ما قيل في هذا المعنى قول الأديب أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد الأنصاري الإشبيلي المعروف بالأبيض، وكان من فحول شعراء المغرب المذكورين بالسبق في الشعر والأدب، ومات بعد خمس وعشرين وخمسمائة:
أصاخَتِ الخيلُ آذاناً لصرخَته ... وأهتَّز كل هِزَبْر عند مَا عَطَسَا
تعشَّق الدّرعَ مُذ شُدّت لفائفه ... وأبغَضَ المهد لما أبصَر الفرسا
تعلَّم الرَّكضَ أيّام المخَاضِ به ... فما امتطَى الخيلَ إلا وهْو قد فَرُسا
وأنشدونا لابن فتوح:
ومُدامةٍ صفراءَ علّلني بها ... قمرٌ كغصن البان في حركاتِهِ
صفراء تغربُ إن بَدت من كفِّه ... في فيه ثم تلُوح من وجناته
وأنشدني الفقيه القاضي المحدث النحوي أبو محمد عبد المنعم بن محمد ابن عيد الرحيم الخزرجي بمدينة غرناطة، قال: أنشدني الوزير الكاتب أبو عامر محمد بن أحمد بن عمر السالمي - صاحب كتاب الجمان، ونتائج الزمان، في ذكر الشعراء الأعلام، في الجاهلية والإسلام. ومؤلف درر القلائد، وغرر الفوائد. ومؤلف بستان الأنفس، في نظم أعياد الأندلس - لأبي الحسن بن مظفر، من اله مدينة ذاتية، في غلام رآه في الحمام يضرب بالماء وجهه:
لقد نَعِمتُ بحمَّامٍ تطلَّع في ... أرجائه قمرٌ والحُسنُ يُكمُلُه
أبصرتُه كلّما رَاقت محاسنُه ... ونَعمةُ الجِسم الأردافِ تُحْجِلُه
يرشُّ بالماء خَدَّيه فقلت له ... صِفْ لي كذا أحمرَ الياقوتِ تَصْقُله
قال وأنشدني للأديب الأوحد أبي محمد بن عبد الله بن سارة الشنتريني:
أعندَك أنّ البدرَ بات ضجيعِي ... فقضَّيت أوطارِي بغير شفعِ
جعلتُ ابنةَ العُنقود بيني وبينَه ... فكانت لنا أمًّا وكان رَضيعي
قال ذو النسبين، رضي الله عنه: أبو محمد بن سارة هذا، أدبه موفور، وشعره مشهور، لقيت جماعة من أصحابه. ومات، رحمه الله، سنة سبع عشرة وخمسمائة، وانتقل من بلده شنترين إلى مدينة إشبيلية، وهو أوحش حالاً من الليل، وأكثر انفراداً من سهيل؛ فانتجع الوراقة على كساد سوقها، وفساد طريقها. فتركها وأنشد فيها:
أما الوِرَاقة فهي أنكدُ حِرفة ... أغصانُها وثمارُها الحرمانُ
شبهتُ صاحبها بإبرةَ خائطٍ ... تكسو العراةَ وجسمُها عُريان
وأنشدني الفقيه القاضي أبو محمد عبد المنعم الخزرجي قال: أنشدني الوزير أبو عامر السالمي لنفسه - ونقلته من خطه - في خال خد:
أوقدَ النّارَ بقلبي ... ثم هَّبتْ ريحُ صَدّهِ
فشرارُ النّارِ طارت ... فانطفت في ماءِ خده
قال: وأنشدني أيضاً أبو عامر لنفسه في وصف النارنج:
أنظُر إلى زهرِ الرّياضِ كأنَّه ... ديباجةٌ بُسطت لقوم مُجَّدِ
وكأنّما النّارنج في أغصانها ... زُهر الكواكب في سماءِ زبرجدَ
وأنشدني الفقيه المحدث المؤرخ الثقة القاضي أبو القاسم خلف بن عبد الملك ابن مسعود بن بشكوال الأنصاري بمنزلة بمدينة قرطبة، قال: حدثنا الثقة العدل أبو القاسم خلف بن محمد بن صواب اللخمي، قال: أنشدنا المقرئ اللغوي النحوي الأديب أبو الحسن علي بن عبد الغني الفهري الحصري لنفسه بمدينة مرسية سنة إحدى وثمانين وأربعمائة في جارية بيضاء منتقشة:
خَضَبت يَديها لون فاحمِها فما ... نَقُصَ البياضُ مَلاحةُ بل زادَا
ما بالُ شيبي تُنكِرين خِضابَه ... وأراك خَاضِبَة البياضِ سَوادا
قالت نجيعُك في يديَّ وإنَّما ... بدَّلتُه أسفاً عليكَ حداَدا