المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ١٩
ابن الطفيل القيسي، عن ولده العالم الرباني روضة العلم الأنف أبي الفضل جعفر بن محمد بن شرف، صاحب الأوضاع في جميع الأنواع؛ ومنها: كتاب الزمان. عارض به " كتاب كليلة ودمنة "؛ وكتابه عقيل وعليم "؛ وكتابه في النحو، على طريق " البرهان "؛ وكتابه في العروض، كشف بع عن دقائق لم يسبق إليها العروضيون. ومن النوادر جدا جدول جعله صفحة واحدة، كأنه صفحة من الزيج، يتضمن استخراج ما سئل عنه من أبيات الأعاريض كلها، سهلة كانت أو صعبة ومنها: رسالته في اللعب باللعبة التي تسمى " فريسيا " أي ملكة اللعب، يلعب بها كما يلعب بالشطرنج، وهي من غرائب الدهر؛ إلى غير ذلك من علمه المشهور، عند الخاصة والجمهور.
وبسندنا إلى أبي عبد الله محمد بن شرف قال: أكثر ما يكون توارد الخواطر ووقوع الاتفاق وما يقاربه، إذا طلب الشاعران أو الناثران معنى واحدا في قافية واحدة أو سجع واحد: أمرني السلطان المعز بن باديس وأمر الحسن بن رشيق في وقت واحد أن نعمل شعرا في " الموز " على قافية الغين، فصنعنا للوقت، ولم يقف أحدنا على صنعة الآخر، فقلت:
يا حبَّذا الموزُ وإسعادُه ... من قبل أن يَمضُغَه الماضغُ
لاَنَ إلى أن لا مَجَسّ له ... فالفمُ ملآنٌ به فارغُ
سيّاِن قُلنا مأكلٌ طيّبٌ ... فيه وإلا مشربٌ سائغُ
وقال ابن رشيق:
موزٌ سريع سوغُه ... من قبل مضغِ الماضغِ
مأكَلٌه لآكل ... ومشربٌ لسائغِ
فالفُم من لينِ به ... ملآنُ مثلُ فارغ
قال ابن شرف: واستخلانا المعز يوما وقال لنا: أخب أن تصنعا لي شعرا تمدحان فيه الشعر الرقيق الخفيف، ربما كان في ساقي بعض النساء، فأني أستحسنه، وقد عاب بعض الضرائر بعض من هذا فيه، وكلهن قارئات كاتبات، فأحب أن أريهن هذا، وأدعى لهن أنه قديم، لأحتج به على من عابه، وأسربه من عيب عليه. فأنفرد كل منا. وأتممنا الشعرين في الوقت.
فكان الذي صنعته أنا:
وبِلقيسةٍ زِينَتْ بشعرٍ ... يَسِيرٍ مثلِ ما يهبُ الشحيحُ
دقيقٍ في خَدَلَّجةٍ رَداحٍ ... خفيفٍ مثلِ جسمٍ فيه رُوح
حكى زغبَ الخدُود وكلُّ خدّ ... به زغبٌ فمعشوقٌ مليح
فإن يكُ صَرْحُ بلقيسٍ زُجاجا ... فمن حَدَق العيون لها صُروح
وصنع ابن رشيق:
يعبُون بلْقِيسيّةً إذ رأوا لَها ... كما قد رأى مِن تلكَ من نَصب الصَّرْحَا
وقد زادَها التَّزغيُبِ مِلْحا كمثل ما ... يزيد خدودَ المُرد تَزْغيبُها ملْحا
فعاب السلطان على ابن رشيق قوله " يعيبون بلقيسة وقال له: قد أوجدت لخصمها حجة بأن بعض الناس قد غاب هذا. وهذا نقد ما كنت فطنت له.
فهذه المقطعات التي أوردت حديثها، واستطردت باتفاقها، لو رآها من عسى أن يراها وهو لا يعلم ما جرى، لم يشك أن أحد قائليها سرق من الآخر، وكم من مظلوم برئ، نسب باتفاق خاطره وخاطر غيره إلى التلصص والإغارة، نحو ما ألفه ابن وكيع عن المتنبي في كتابه الذي سما المنصف، وهو فيه جور من قاضيي سدوم.
فمن شعر ابن شرف ما أنشدنا غير واحد، عن ولده عنه، وشعره في خمس مجلدات:
شتَّان في النُّطقَين ما بيننا ... وبينَنَا في المَنْظَرَين اشتِباهْ
يا عجباً من حُرقات الهوى ... تَصعدُ نيرانا وتَجرِي مياه
وأنشدونا له في عدو قينة:
سقي الله أرضاً أنبتَت عُودكِ الذي ... زكّتْ منه أعراقٌ وطابتْ مَغَارِسُ
تغنّي عليه الطّيرُ والعودُ أخضرٌ ... وغنَّت عليه الغِيدُ والعودُ يابس
وقال في مثله:
يا عودُ من أية الأشجارِ أنت فَلا ... جفَا ثراها ولا أغصانَها الماءُ
غنَّي القيانُ عليها وهي يابِسةٌ ... بعدَ الحَمامِ زماناً وهي خَضراء
وقال في اجتماع البعوض والذباب والبراغيث في مجلس، مخاطب لصاحبه يستهزئ به:
لكَ مجلسٌ كملتْ بشارَتُنا به ... للًّهو لكن تحتَ ذاك حديثُ
غنَّي الذّباب وظلّ يزمُر حوله ... فيه البعوضُ ويرقصُ البرغُوث
وأنشدونا أيضاً له: