المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ١٨
قال: فاشتد طرب تميم، وأفرط جدا ثم قال لها: تمنى ما شئت فلك مناك. فقالت: أتمنى عافية الأمير وسعادته. فقال: والله لا بد لك أن تتمنى. فقالت: على الوفاء أيها الأمير بما أتمنى؟ فقال: نعم. فقال: أتمنى أن أغني بهذه النوبة ببغداد. قال: فانتقع لون تميم وتغير وجهه، وتكدر المجلس، قام وقمنا. قال ابن الأشكري: فلحقني بعض خدمه وقال لي: ارجع، فالأمير يدعوك. أرأيت ما امتحنا به؟ فقلت: نعم أيها الأمير. فقال: لا بد من الوفاء لها، وما أثق في هذا بغيرك، فتأهب لتحملها إلى بغداد، فإذا غنت هناك، فاصرفها. فقلت: سمعا وطاعة. ثم قمت وتأهبت، وأمرها بالتأهب، وأصحبها جارية له سوداء تعادلها وتخدمها، وأمر بناقة وبجمل " عليه هودج " فأدخلت فيه، وجعلها معي، وصرت إلى مكة مع القافلة، فقضينا حجنا، ثم دخلنا في قافلة العراق وسرنا. فلما وردنا القادسية، أتتني السوداء عنها فقالت: تقول لك سيدتي: أين نحن؟ فقلت لها: نحن نزول بالقادسية. فانصرفت إليها وأخبرتها، فلم أنسب أن سمعت صوتها وقد ارتفع بالغناء:
لما وردنا القادسيَّة حيثُ مجتمعُ الرَّفاقْ
وشِممْتُ من أرض الحجا ... زِ نسيم أنفاسِ العراق
أيْقَنْتُ لي ولمن أحبُّ بجمع شملٍ واتّفاق
وضحكتُ من فرحِ اللّقا ... ء كما بكيتُ من الفِرَاق
فتصايح الناس من أقطار القافلة: أعيدي بالله! أعيدي بالله! قال: فما سمع لها كلمة. ثم نزلنا الياسرية، وبينها وبين بغداد نحو خمسة أميال في بساتين متصلة ينزل الناس بها، فيبيتون ليلتهم ثم يبكرون لدخول بغداد فلما كان قرب الصباح، إذا بالسوداء قد أتتني مذعورة، فقلت: مالك؟ فقالت: إن سيدتي ليست بحاضرة. فقلت: ويلك! وأين هي؟ قالت: والله ما أدري! قال: فلم أحس لها أثراً بعد. ودخلت بغداد، وقضيت حوائجي بها، وانصرفت إلي تميم فأخبرته خبرها. فعظم ذلك عليه، واغتم له غما شديدا، ثم ما زال بعد ذلك ذاكراً لها، واجماً عليها.
قال ذو النسبين، رضي الله عنه. وقد ذكر هذه الحكاية الشيخ الجليل الإمام العالم أبو عبد لله محمد بن أبي نصر الحميدي في جذوة المقتبس في تاريخ الأندلس قال: حدثني أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب الفارسي الفقيه، وأملاه علي بالأندلس، فذكر ما ذكرناه حرفا بحرف.
قال ذو النسبين رضي الله عنه: قرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج علي بن الحسين العبشمي الأصبهاني، أن هذا الشعر الذي فيه الغناء للشريف أبي عبد الله محمد بن صالح الحسني، وأوله:
طربَ الفؤادُ وعاوَدَتْ أحزَانُه ... وتفرّقَت بزمانه أشجانُه
وبداله....
وأمر بعض الملوك ابن رشيق بركوب البحر، فخاطبه بهذا الشعر:
أمرتنَيِ بركوبِ البحر في عَجَلٍغيرِي فديتُك فاخْصُصْه بذا الرَّاءِ
ما أنتَ نوحٌ فَتُنْجِينِي سفينَتُه ... ولا المسيحُ أنا أمشي على الماءٍ
ومنهم زين الزمان، وفخر المكان، العالم:
أبو عبد الله الجذامي
بن أبي سعيد بن شرف الجذامي
من ولد جذام بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب ابن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. كذا نسبه أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي.
ولابن شرف مصنفات عديدة، وأوضاع مفيدة، منها: أبكار الأفكار، في سفرين، اختراع كله في الحكم والأمثال؛ والنظم والنثر؛ وكتابه المسمى بأعلام الكلام، مخترع أيضاً. وكتابه المسمى بلمح الملح؛ إلى غير ذلك.
حدثني بها جماعة لا أحصيهم كثرة، منهم: الوزير الفقيه المقري المحدث الشاعر اللغوي النحوي، المهندس الطبيب، واحد عصره، وفريد دهره، أبو بكر محم